Home نظرية النبي المسلّح: الثورة الدائمة ج 1 (37)

النبي المسلّح: الثورة الدائمة ج 1 (37)

الثورة الدائمة جـ 1

كانت تصفية السوفييت حدثا سياسياً من الدرجة الأولى، وكان الناطق الرئيسي بلسان السوفييت سجينا مهما من سجناء الدولة. وكان المناخ السياسي لا يزال متقلباً. أما السجناء الذين احتجزوا في سجن کرستي ثم في قلعة بطرس وبولس، فاستفادوا من نظام تمييزي. فزنزاناتهم لم تكن موصدة، مع أنهم كانوا نظرياً في السجن الانفرادي. كان في وسعهم أن يلتقي بعضهم بعضاً، وان يتنزهوا معا في الساحة، ويتلقوا كتباً، وأن يمارسوا أكثف نشاط سياسي تحت الغطاء الأرق.

وقد أمكن التساؤل في البدء إذا ما كانت الحكومة قد أفرطت، بضربها للسوفييت؛ في تقدير قواها؛ فبطرسبورغ ردت بإضرابات، وموسكو بالاضراب العام ومتاريس بقيت قائمة عشرة أيام. وحتى بعد قمع انتفاضة موسكو لم تبد الثورة إلا نصف مهزومة. وخلال شهري كانون الأول/ ديسمبر وكانون الثاني/ يناير، اندلعت سلسلة من التحركات في سيبيريا والمقاطعات البلطيقية والقوقاز لم تتغلب عليها الحملات التأديبية بسهولة. وفي آذار / مارس جاء انتخاب الدوما الأولى التي قاطعها الاشتراكيون فشلاً للحكومة ونجاحا باهراً للدستوريين – الديمقراطيين. وكان يمكن التساؤل بعد إذا كانت محاكمة السوفييت ستتم. في كل حال لم تكن السلطات تبدو مستعجلة لتحديد موعدها. ثم تحدد موعد افتتاحها في ۱۲ حزيران / يونيو 1906. لكن قبل الصيف استعاد القيصر رباطة جأشه فصرف نصف الليبرالي ويت وقطع المفاوضات الجارية لتأليف وزارة دستورية ديمقراطية، وأعلن حل الدوما وعين ستوليبين وزيرا أول. وغدت المحاكمة موضوع حرب استنزاف على صعيد الادارة. وقد جرى تأجيلها، شهر بعد شهر، حتى نهاية ايلول / سبتمبر. فأنصار الحكم المطلق كانوا يريدون استخدام المحاكمة ليظهروا للقيصر أن سياسة الليونة التي أقدم عليها ويت هزت العرش. أما شبه الليبراليين في الادارة فكانوا يرغبون في استخدام المحاكمة لأهداف معاسكة تماماً، ليبرهنوا أن دسائس الرجعيين خربت سياسة بيان تشرين الأول / أوكتوبر.

في غضون ذلك أعدّ السجناء دفاعهم. حصلت في البدء خلافات حول النهج المفترض تبنيه أمام القضاء. فباسم اللجنة المركزية المنشفية (التي كانت على وشك الاندماج مع اللجنة المركزية البلشفية) كتب مارتوف للسجناء، يدعوهم إلى الاعتدال، على أن يكون قاعدة لدفاعهم بیان تشرين الأول / اوکتوبر. وكان عليهم أن يبرهنوا للمحكمة أن السوفييت لم يتخط الحدود التي عينها البيان، وان يدحضوا الاتهام الذي اعتبر أن هدف السوفييت كان الانتفاضة المسلحة. وقد رفض تروتسكي تلك النصائح بغضب واشمئزاز. أرسل جوابا بواسطة محاميه يعبر فيه عن «دهشته القصوى»: «لن يتبنى أحد من المتهمين هذا الموقف، فبرنامج بیان تشرين الأول/ أوكتوبر لم يكن برنامج السوفييت في يوم من الأيام». لقد رد السوفييت على وعود القيصر مؤكداً قناعاته الجمهورية من دون لف أو دوران. وأنه «لخطأ سياسي خطير» من جانب اللجنة المركزية أن تنصح المتهمين بأن يجحدوا الانتفاضة. كل ما يمكنهم أن يقولوه، وسيقولونه، أما المحكمة هو أنهم لم يعدوا بشكل ملموس وفعلي لانتفاضة، لكن عليهم أن يتحملوا مسؤولية الإعداد السياسي للانتفاضة.

هذه الرسالة التي تمت كتابتها بسرعة، في غضون انتظار المحامي الذي كان عليه أن ينقلها إلى الخارج كانت انفجار غضب، ردا على إهانة. وقد أصر تروتسكي على القول أن على أعضاء السوفييت أن يعرضوا مبادئهم، ويشرحوا أسبابهم، ويعلنوا أهدافهم. وقفص المتهمين ينبغي أن يكون منبراً سياسياً لهم لا ملجأ (1). وقد دعمت اللجنة المركزية البلشفية تروتسكي. وهذا على الأرجح السبب -كما يقول صديقه القديم زيف الذي كان معه في السجن، مرة أخرى- في أن رسالته تفيض تعاطفاً حارّاً مع البلاشفة الذين كان يشعر بأنه اخوهم بالروح، ونفوراً غير مكتوم تجاه المناشفة الذين كان مرتبطاً بهم (2). وقد نجح تروتسكي في اقناع كل المتهمين بتبني الدفاع القتالي ذاته، وأيد الجميع رسالته إلى اللجنة المركزية المنشفية. أما النغمة الشاذة الوحيدة، فجاءت من خروستاليف – نوزار، أول رئيس للسوفييت، الذي كان له موقف ملتبس بما يكفي خلال التحقيق الأوّلي. وقد هدد سائر السجناء بفضحه علناً، كخائن أمام المحكمة. وتجاوز تروتسکی خصومته القديمة مع خروستالیف محاولا قبل كل شيء تحاشي فضيحة يمكن أن تخفف من الفعالية السياسية الخاصة بالمحاكمة. واقنع خروستاليف بتبني الدفاع ذاته الذي يتبناه الآخرون ووعده بالمقابل بعدم وضع التهديد موضع التنفيذ. وقد تقاسم المتهمون الرئيسيون الأدوار: يقدم خروستاليف تقريرا عن نشاط السوفييت خلال رئاسته، ويتكلم سفر تشكوف على أيام السوفييت الأخيرة، ويثير کنونيانتس موقف الحزب الاشتراكي – الديمقراطي، وأفکسنتييف موقف الاشتراكيين الثوريين، أما تروتسكي فيهتم بالنقطة الأكثر حساسية، نقطة الانتفاضة المسلحة.

وما أن انتهى تروتسكي من اعدادات المحاكمة، حتى بدأ عمله، منصرفاً إلى القراءة والكتابة. حتى التحقيق التمهيدي الذي أشرف عليه جنرال الدرك ايفانوف لم يستطع انتزاعه من دراساته: رفض رفضا باتا أن يؤدي شهادة، محتفظا بما سيقوله ليوم المحاكمة. وكتب سفر تشكوف يقول: «تحولت زنزانة تروتسكي بسرعة إلى نوع من المكتبة. كانت تحول إليه كل الكتب الجديدة التي تستحق بعض الانتباه، يقرأ كل شيء، وطيلة النهار، من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل، يهتم بأعمال أدبية. كان يقول: أنا في أحسن حال، أنا هنا أعمل، عالماً تماما بأنهم لن يأتوا لتوقيفي … وفي روسيا القيصرية، يعد هذا يقينا نادرة بالأحرى»(3). ويروي زیف أن تروتسكي كان يبادر إلى إعارة كتبه وجرائده إلى السجناء الآخرين، وأن قريحته التي لا تنفد كانت حافزاً معنوياً مرموقاً بالنسبة للجميع.

في الصورة التي أخذت لتروتسكي في زنزانته قبل المحاكمة بوقت قصير، يبدو مظهره جميلا، بوجه المفكر الذي يطغى عليه جبين واسع. أما القسمات فأكثر انتظاما مما كانت في الواقع، والرأس الذي تغطيه لبدة سوداء واسعة وغزيرة فيدق إلى الاسفل منتهية بلحية صغيرة مستدقة الرأس، ويوحي الوجه بالتركيز والتحكم بالذات. وهدوء التعبير يسمح مع ذلك ببروز الحرارة الداخلية وغليان العواطف والافكار. أما الشعر الأسود، والجبين الواسع، والحاجبان العالیان الكثان، ونظارة الأنف السوداء والشارب المقصوص بعناية والذقن البارزة فتمنح الوجه تنوعاً يبرز حيويته الشديدة. والسجين الرقيق وذو القامة المتوسطة يرتدي ثياب سوداء. وتعطي البذلة القائمة، والطوق المستعار الابيض، والاردان البيضاء التي تتجاوز الأكمام قليلا، والحذاء الملمع، انطباعا عن أناقة شبه متكلفة. ويمكن أن تكون تلك صورة ثري مثقف من طراز نهاية القرن في اوروبا الغربية، يمضي إلى استقبال رسمي، أكثر مما يمكن أن تكون صورة ثوري ينتظر محاكمة في قلعة بطرس وبولس. ولا يجعلنا نكتشف طبيعة الديكور إلا العري المتقشف الذي يتميز به الحائط ومنظار الباب.

خصص تروتسكي الكثير من الوقت لقراءة الكلاسيكيين الأوروبيين: «فيها أنا متمدد على فراش السجن، كنت أنتشي بهم بالاستمتاع الجسدي الذي يحس به شره يكرع نبیذاً جيدا أو يتنشق عطر سیجار جيد … في تلك الفترة تعرفت حقاً، للمرة الأولى، إلى كبار کُتّاب الرواية الفرنسية»(4). وقد احتفظ طيلة حياته بتفضيل واضح للرواية الفرنسية، الكلاسيكية والحديثة. كان أتقن في تلك الفترة معرفته بالفرنسية والألمانية اللتين كان يتكلمها جيدا، وإذا كان متمرسا أكثر بالمصطلحات الاقتصادية والسياسية الالمانية، إلا أنه كان يفضل الفرنسية كلغة أدبية. لم يعد ينقب بإجهاد في نظريات مارکس، كما كانت الحال في أيام خرسون وأوذيسا. لم يعد يتعلم الماركسية، بل أصبح هو الذي يعلمها منذ ذلك الحين. كان في وسعه الآن، بكل حرية ذهنية، أن يتنزه بسهولة في بساتين الأدب الأوروبي ….

 

*     *     *

في هدوء زنزانته، أمكنه أن يفكر في الدروس التي كانت تستخلص من زوبعة الأشهر الأخيرة. كتب دراسات ومقالات نقدية سوف يكون لأحداها أهمية استثنائية. كل المؤلفات التي كتبها في تلك الفترة -أو ما يقارب ذلك- صدرت في كتاباته، ما عدا دراسة حول الريع العقاري ضاعت ولم تبصر النور ابدأ. وهو يقول في سيرته الذاتية أن خسارة تلك المخطوطة أزعجته للغاية. إلى أي حد هي خسارة لنا أيضاً، هذا ما لن نعرفه بالطبع ابدأ. أن فهمه للمشكلات الاقتصادية أمر لا شك فيه ولا جدال، لكن بخلاف لينين أو بوخارین، لم يبرز أبدأ كمنظر اقتصادي. يمكننا اذاك أن نتساءل إذا كان مؤلفه يمثل مساهمة فريدة حقا في موضوع مختص بقدر ما هي نظرية الريع العقاري الماركسية. ما لا شك فيه هو أن بعض كتاباته السياسية لتلك الفترة لها من الغنى والوزن ما يترك كل ما يمكن أن يكون كتبه حول الريع العقاري بعيدا خلفها. فلنمر سريعاً على بيير ستروفه في السياسة، وهي مقالة نقدية نشرها باسم ن. تاخوتسكي المستعار، ولقيت نجاحا كبيرا: إنها هجوم جديد على الليبرالية، هجوم لاذع، فعال، لكنها لا تضيف شيئا كثيرا الى ترسانة الحجج المناهضة لليبرالية. أما تاريخ السوفييت (ایستوريا سوفييتا رابوشيخ دیبوتاتوف) الذي شارك في كتابته عدة أشخاص تحت اشراف تروتسکی فیستحق اهتماما أكبر. وقد تصور تروتسكي مشروعه منذ انغلقت أبواب السجن دونه. وهو مؤلف الفصل المخصص لدور السوفييت. ويقول في ختام ذلك الفصل:

“كانت روسيا المدينية قاعدة ضيقة جداً للنضال. وقد حاول السوفييت أن ينقل النضال إلى كل أنحاء البلاد، إلا أنه بقي قبل كل شيء مؤسسة بطرسبورغية … ولا شك انه لو حدثت انتفاضة ثورية جديدة، لتشكلت مجالس عمالية في كل البلاد. وسيضطلع بالقيادة سوفييت مركزي لعمال كل انحاء روسيا، يختاره مؤتمر قومي … فالتاريخ لا يتكرر ابداً. ولن يكون على السوفييت الجديد أن يعيد تجربة الخمسين يوما، بل سيتمكن من أن يستخلص من تلك التجربة كل برنامجه للعمل … التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والشرائح الدنيا والشعبية من البورجوازية، الغاء الحكم المطلق، تدمير الجهاز العسكري الخاص بالحكم المطلق، صرف قسم من الجيش وإعادة النصر الكاملة بالباقي، إلغاء الشرطة والجهاز البيروقراطي، يوم العمل من ثماني ساعات، توزيع السلاح على الشعب، وعلى العمال بوجه خاص، تحويل السوفييتات إلى جهاز حكومة ثورية مدينية، تشکيل سوفييتات فلاحية مكلفة بإنجاز الثورة الزراعية محلياً، انتخاب جمعية تأسيسية … إن صياغة برنامج اسهل من وضعه موضع التطبيق. لكن إذا كانت الثورة معدّة للنصر، لا يمكن للبروليتاريا إلا أن تضطلع بهذا الدور. وسوف تنجز بذلك فتحا ثورياً لم يشهد العالم يوما ما يماثله.
لن تكون قصة الخمسين يوما هذه صفحة كاملة من تاريخ نضال البروليتاريا وانتصارها (5).

____________

(1) وقعت رسالة تروتسكي إلى مارتوف فيما بعد بين يدي رجال الشرطة، أبان توقیف مارتوف، وغدت جزءأ من الاثباتات التي قدمها الاتهام، ونشرت الرسالة في تروتسکی، سوش.، ج ۲، ك۱ ص 5۹4۔ 460، انظر أيضا المرجع ذاته، ص ۱۹۳، عدد ۳۳۸.
(2) أ. زيف. المرجع المذكور، ص 53.
(3) سفرنشکوف، نازاري ريفولوتسيي، ص ۱۸۹.
(4) ترونسكي، حياتي، ج ۱، ص ۲۱۱.
(5) ترونسكي، سوش، ج ۲، ك۱، ص ۲۰۹.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 5 (36)