Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 5 (36)

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 5 (36)

ولقد تجاوز اشعاع تروتسكي وافكاره، في تلك الفترة، السوفييت والأحزاب الاشتراكية الى حد بعيد. ففي عام 1906، حين كانت الثورة قد أصبحت في ذروة تقهقرها، رد میلیوکوف بهذه التعابير على هجمات اليمين: «ان من يتهمون الآن حزبنا (الحزب الديمقراطي الدستوري) بكونه لم يفضح… الأوهام الثورية للتروتسكية … إما أنهم لا يفهمون الروح التي كانت تسود آنذاك داخل جمهور الاجتماعات الديمقراطي، أو أنهم يتناسونها». وشرح میلیوکوف بقوله: لو أن أحداً حاول في عام 1905 أن يقف في وجه أوهام التروتسكية، لفقد حظوته واعتباره (1). وهذه ملاحظة معبرة بشكل خاص، لأن «الجمهور الديمقراطي» المعني، المؤلف من رجال أعمال مستنيرين وأصحاب مهن حرة، لم يكن بشكل مباشرة جزءا من الدائرة التي ينشط فيها تروتسكي. فهذا الأخير لم يكن يخرج إلا نادراً جدا من الوسط الشعبي الخاص بالسوفييت ليواجه حضور بورجوازيين، وحين كان يفعل ذلك كان يفعله کمرسل من جانب السوفييت. وفي رواية تروتسكي لأحداث ۱۹۰۰ يذكر كيف جاء خلال اضراب تشرين الثاني / نوفمبر إلى قصر البارونة أوكسول فون هيلد برانت ليشارك في اجتماع سیاسي مهم. «كان الخادم ينتظر بطاقة زيارتي، لكن يا لتعاستي، أي بطاقة زيارة يمكن أن يبرز رجل مثلي لا يستخدم غير أسماء مستعارة؟ ….» ظهر في قاعة الدخول على التوالي طالب ومحاضر رادیکالي ومدير مجلة جدية للغاية، ثم في الاخير البارونة بالذات. كانوا يتوقعون بوضوح أن يكون رجل العمال ذا مظهر أكثر رهبة. وينبغي أن نقول انه في خلال ذلك العام المضطرب جدا كان مظهر تروتسکی بورجوازياً إلى حد بعيد، ولباسه انيقاً ولا عيب فيه، لدرجة أن بعض اصدقائه الاشتراكيين بدوا مصدومين (2). والمؤكد أن مدعوي البارونة لم يتمكنوا من الشعور برعشة الانفعال التي كانوا يتوقعونها من الاحتكاك بديماغوجي ثوري فظ. وذكرت اسمي فجرى ادخالي بالكثير من اللياقة والتهذيب. وقد شاهدت جمهوراً من ستين إلى سبعين شخصاً … في جانب من الممر كان ثمة ثلاثون ضابطا كبيراً، بينهم من يرتدي بزّات ضباط الحرب المزركشة، وكان يشغل الجانب الآخر من القاعة عدد من السيدات وفي الصف الأول مجموعة اذيال سترات سوداء»، منارات الليبرالية. كان بير ستروفه، الماركسي السابق، يطالب ضباط الحرس بالدفاع عن بيان تشرين الأول/ اوكتوبر ضد هجمات اليمين واليسار. وفيما كان تروتسكي يصغي، تذکر نصاً لم يمض على كتابة ستروفه له أكثر من سبع سنوات، يقول: «كلما تقدمنا في اوروبا إلى الشرق، كلما كانت البورجوازية أكثر خنوعاً وجبناً وبؤساً، ثم جاء دور تروتسكي لمخاطبة الضباط. فقال لهم أن الطبقة العاملة، وبالتالي الحرية بالذات، عزلاء من السلاح، وأنهم هم، الضباط، الذين يمسكون بمفاتیح ترسانات الأمة، وأن واجبهم في تلك اللحظة الحاسمة يقضي بتسليم تلك المفاتيح لأصحابها الحقيقيين، أي الشعب (3). وأن يكون ضباط كبار في الحرس استطاعوا سماع كلام من هذا النوع يعطي فكرة عن البلبلة السياسية في تلك الفترة. في كل حال، ما كان بإمكان ذلك النداء أن يصل الى آذانهم إلا کمزحة يائسة. فهرم القيصرية لن يدك في يوم من الأيام إلا من القاعدة، لا من القمة.

وحين لم يكن تروتسكي في اجتماع ما، كان في قاعة للتحرير، فقد كان مديراً أو مديراً مشاركاً لثلاث صحف. فأزفستيا السوفييت ظهرت بانتظام، ودوما، لقاء عمل باهر كله سذاجة. فكل عدد جرى صفه في مطبعة جريدة لأقصى اليمين كانت تقتحمها فصيلة من السوفييت وتصادرها للمناسبة. زد على ذلك أن تروتسكي نجح، بمعاونة بارفوس العائد إلى بطرسبورغ، في وضع اليد على صحيفة الليبراليين الراديكاليين، روسکایا غازيتا، التي جعل منها اليومية الشعبية للاشتراكي المناضل. بعد ذلك بوقت قصير، أسس مع بارفوس ومارتوف جريدة يومية جدية كبيرة باسم ناشالو (الانطلاق). و ناشالو التي كانت من الناحية النظرية لسان حال المناشفة، كانت في الواقع جريدة تروتسكي بوجه خاص. فهذا أملی شروطه على المناشفة: ستدافع الجريدة عن «الثورة الدائمة» التي ينادي بها تروتسكي وبارفوس، لن تكون هنالك إذن علاقة بالديمقراطيين الدستوريين (الليبراليين). کتب مارتوف إلى أكسلرود: «علينا الموافقة على أن نكون دعاويي نظرية محفوفة بالمخاطر يلزمنا ألا ننتقدها بأي شكل من الأشكال» (4). وكانت لائحة المتعاونين معها تضم الاسماء الكبيرة في الاشتراكية الأوروبية: فيكتور أدلر، أوغوست بیبل، کارل كاوتسكي، روزا لوكسمبورغ، فرانز مهرينغ، کلارا زتكين. ولقد كان بمثابة انتقام لطيف من جانب تروتسكي فتحه أعمدة ناشالو لبليخانوف الذي لم يمر أكثر من عام على إعلانه أنه يجد «منفراً من الناحية الأخلاقية» أن يجاور تروتسكي في الايسکرا. ولقد نجحت صحف تروتسكي أكثر بكثير من جريدة البلاشفة، نوفايا جيزن، التي كان يشرف عليها لينين وغوركي، ولونا تشارسكي وبوغدانوف. وليس في ذلك ما يدهش اذ يكفي القيام بالمقارنة لإدراك أن صحف تروتسكي كانت أفضل بكثير، بما تتميز به من قريحة ولذع (5). وإذا كانت جرائد التكتلين متنافسة على المستوى الصحفي، فقد قدمت الدعم المتبادل وساندت السوفييت.

الحرية التي أحس بطعمها الشعب، والنشاط المكشوف للسوفييت والأحزاب الاشتراكية والصحافة، كل ذلك ما عتم أن تعرض للزوال. فالحكومة نجحت في سحق العديد من التمردات المشتتة داخل الجيش. وكان قسم من الطبقة العاملة بدأ يتساقط من التعب، بينما عيل صبر قسم آخر يود حمل السلاح. وقد أعاد الكونت ويت فرض الرقابة. إلا أن السوفييت أبدى مقاومة، وصاح تروتسكي بمندوبي العمال: «دافعوا عن الكلمة الحرة، فحرية التعبير بالنسبة للعمال كالخبز والهواء. والحكومة تخشاها کشفرة موسی» (6). أما الضربة اللاحقة فتم تسديدها للسوفييت بالذات. في ۲۲ تشرين الثاني/ نوفمبر، أوقف خروستالیف نوزار وقادة آخرون. ثم انتظرت الحكومة ردة فعل السوفييت. ومرة أخرى، وجد السوفييت نفسه في المأزق الذي كان يعرفه جيداً: إما الاقتصاص من وزراء القيصر كما كان يشترط الاشتراكيون الثوريون أو إعلان الاضراب العام، كما يطالب آخرون. وكان الاشتراكيون – الديمقراطيون معارضين للارهاب من حيث المبدأ، وكانوا يرون من قبيل المغامرة اعلان الاضراب العام. ومرة أخرى، تعين على المحتدم تروتسكي أن يجعل من نفسه محامي الحذر والاحتراس، وان يطلب تأجيلا جديداً لامتحان القوة النهائي. قدم اقتراحاً بأن ينتخب نواب سوفييت العمال رئيساً جديداً مؤقتا ويواصلوا الاعداد للانتفاضة العامة. واصطف السوفييت إلى جانب رأي تروتسكي وانتخب مجلس رئاسة (بریزیدیوم) من ثلاثة أعضاء، ضم يانوفسكي (اسم تروتسكي المستعار)، وسفر تشكوف وزلیدنييف. كانت الاعدادات للانتفاضة المسلحة التي لمّح إليها تروتسكي لا تزال في طور جنيني: جری تکلیف مندوبين اثنين بالاتصال بسوفييتات المقاطعات. كان ينقص الانتفاضة كلية جهاز عصبي، إلا أن الحكومة لم تكن مستعدة لمنح السوفييت الوقت لتنظيم نفسه، وسرعان ما بدأت الشرطة تقيم الحراسات على أبواب الشركة الاقتصادية الحرة حيث كان يجتمع السوفييت.

وكان بديهياً أن أيام السوفييت أصبحت معدودة. وقد اكتفى، بعد أن أصبح مهدداً في عمله، بالقيام بالمبادرات المشهدية. كان دوره يتمثل بتلقين الشعب مبادئ الثورة ومناهجها. وحين طلب تروتسكي من السوفييت التراجع عن التطبيق الجبري ليوم العمل من ثماني ساعات، قال: «ربما لم نربح يوم العمل من ثماني ساعات للطبقة العاملة، إلا أننا نجحنا في ربح الطبقة العاملة ليوم العمل من ثماني ساعات». وكان ذلك صحيحاً! فيوم العمل من ثماني ساعات كان بدأ قبل وقت قصير من ذلك الحين طوباوياً بشكل كامل بالنسبة للعامل الروسي، كما بالنسبة للعامل في اوروبا الغربية أيضا. والحالة هذه، أصبح هذا المطلب بين عامي ۱۹۰۹ و۱۹۱۷ بين المطالب الأولى التي ترفعها الطبقة العاملة الروسية. ويمكن أن نقول أن رسالة تروتسكي عام ۱۹۰۰ لم تكن حفز انتفاضة البروليتاريا بقدر ما كانت کسب البروليتاريا للانتفاضة. ففي كل مرة سنحت الفرصة، كان يفسر بلا كلل لماذا لم يكن في وسع الاضراب العام، الذي كان البعض يعتقدون أنه يكفي ليقلب القيصرية بشكل عجائبي، أن يؤدي إلى قلب اسس المجتمع الا إذا انتهى إلى الانتفاضة المسلحة، ثم كان يعدد الشروط المطلوبة لنجاح انتفاضة. وحتى في قفص المتهمين، أعاد شرح وجهة نظره، وأثبتت احداث الشهور والسنوات اللاحقة صحة تحليله. فاذا اعتقدنا بأن ثورة ليست غير مؤامرة مهيأة بذكاء، وإذا أهملنا تراكم المظالم الطويل والبطيء، والتجارب والعادات القتالية التي يفترضها لدى الشعب، نكون استخففنا بهذه الدروس الثورية، ونكون نظرنا إلى قرارات السوفييت حول الانتفاضة كما لو كانت تهدیدات جوفاء، وكانت كذلك في الحالة التي نحن بصددها. وسوف ننتظر المستقبل ليعطي منظورات السوفييت وتروتسكي السياسية حقها. فثورة شباط / فبراير ۱۹۱۷ سوف تضع موضع التطبيق المبادئ التي ورثتها من ثورة ۱۹۰۵. كانت في البدء إضرابا عاما اندمج بانتفاضة مسلحة خاضها بنجاح أولئك العمال ذاتهم، عمال بطرسبورغ الذين توجه إليهم تروتسكي في عام 1905، وأولادهم.

كان آخر عمل للسوفييت قراره مقاطعة النظام القيصري ماليا. طالب السوفييت الشعب بالامتناع عن دفع الضرائب، ورفض الأوراق البنكية وعدم قبول ما دون القطع الذهبية، وسحب الودائع من المصارف (7). كان البيان المالي، الذي وضع بارفوس نصه، يفضح كذلك فساد الادارة وافلاسها المالي وموازنتها المغشوشة، وفوق كل هذا افتقادها للطابع التمثيلي. «تخاف الحكومة الرقابة الشعبية التي يتكشف للعالم أجمع عجزها المالي، لذا ترفض اتخاذ الاجراءات اللازمة لقيام التمثيل الشعبي … فالحكومة لم تثق يوما بالشعب، وهي لم تتلق منه أية سلطة. الحكام يحملون إرادتهم على بلادهم كما لو كانت بلاداً مفتتحة». وكان البيان يعلن كذلك أن الشعب الروسي لن يدفع ديون القيصر، وهو تحذير سوف تذكر الحكومة السوفياتية به دائني القيصر الأوروبيين في يوم من الأيام. وإذا كانت حجج البيان الأدبية والسياسية مقنعة، فقد كانت النتيجة الوحيدة للمقاطعة المالية تسريع الانهيار الذي كان السوفييت يحاول الحيلولة دونه. رأى فيه الجانبان بديلا عن الانتفاضة، وهما محقان في ذلك. فالسوفييت لجأ إليه بالضبط لأنه كان عاجزا عن خوض كفاح مسلح. «ليس ثمة غير طريقة واحدة للخروج من المأزق … طريقة واحدة لقلب النظام، تتمثل بحرمانه من موارده»: هكذا أعلن البيان، خلافا لوجهة النظر التي طالما جرى التعبير عنها، وكانت تقول أن الوسيلة الوحيدة، لإطاحة القيصرية هي الانتفاضة المسلحة. أما الحكومة، فالصدمة التي كانت ستتلقاها من الاضراب الضريبي هي تقريبا بقساوة الصدمة التي كانت ستحدثها الانتفاضة، لذا كان هجومها المضاد فورياً (8).

وبعد ظهر الثالث من كانون الأول/ ديسمبر، كان تروتسکی يرأس اجتماعا للجنة السوفييت التنفيذية التي كانت تعد جدول أعمال جمعية عامة وشيكة للسوفييت. كان يعرض التدابير الحكومية الأخيرة: تلقى حكام المقاطعات السلطة الكاملة لإعلان حالة الطوارئ، وهو ما كان قد تم بالفعل في بعض المناطق: تم تهديد المضربين بغرامات باهظة، وصودرت الجرائد التي نشرت «البيان المالي»، وكان وزير الداخلية يستعد لإعادة حظر الاحزاب الاشتراكية وسجن قادتها. فاقترح المناشفة والبلاشفة معا يومذاك إعلان الاضراب العام. وفي أوج النقاش، جاء من يحذرهم من أن اقتحام الشرطة للسوفييت أصبح وشیکا. فقررت اللجنة مواصلة الجلسة، لكنها صرفت بعض الأعضاء الذين يمكنهم متابعة العمل باسمها، فيما لو ألقي بالسوفييت في غياهب السجون. وقد انطلق هؤلاء، إلا أنهم سرعان ما عادوا: فالحرس والقوزاق ورجال الدرك والشرطة كانوا قد طوقوا المبنى. وقررت اللجنة بالإجماع البقاء في مكانها، لكن دون إبداء أية مقاومة مسلحة إزاء عرض القوة الضخم هذا. وواصلت مشاوراتها: واقترب طرق الاحذية وصليل السيوف. ومن القاعة الأرضية حيث اجتمع المندوبون في الدورة المنعقدة بكامل هیئتها، كانت تتصاعد صيحات الاحتجاج الغاضبة. خاطب تروتسكي النواب من احدى الشرفات: «أيها الرفاق، امتنعوا عن المقاومة، أننا نعلن سلفا أنه لن تطلق رصاصة واحدة من هنا، إلا إذا أطلقها عميل استفزازي أو رجل شرطة!»، وطلب من النواب كسر آلية قدح مسدساتهم قبل الاستسلام للشرطة، ثم عاد واتخذ مكاناً له على طاولة اللجنة.

كان مندوب نقابي يقول أن نقابته تقدم دعمها للإضراب العام حين احتلت فصيلة من الجنود ورجال الشرطة المماشي. دخل ضابط شرطة إلى القاعة التي كانت اللجنة تعقد جلستها فيها وبدأ يقرأ مذكرة توقيف. ولما كانت المقاومة قد استبعدت، لم يعد ثمة شيء كثير يعمله الحاضرون، لكن بقي مع ذلك أن يقرر السوفييت إذا كان سيتحمل ذل الهزيمة بكرامة. هل سيستسلم أعضاؤه كخراف خائفة، من دون أي بادرة تحد؟ إن كبرياء تروتسكي وحس التأثير الدرامي لديه ما كانا ليتوافقا مع فصل بتلك التفاهة وذلك التثبيط للمعنويات. وإذا لم يكن بالإمكان تحدي المنتصرين جدياً، يمكن على الأقل معاملة الوضع بدعابة وسخرية. وقد جعل تروتسكي من ذلك المشهد النهائي قطعة جسارة طريفة وهازلة. قاطع ضابط الشرطة المندفع في قراءة مذكرة التوقيف، قائلا له بجفاف: «أرجو ألا تقاطع الخطيب. إذا كان لديك ما تقوله، أعط اسمك وأسأل الجمعية إذا كانت ترغب في الاستماع إليك».

أما الضابط، المضطرب، الذي لم يعد يعرف إذا كان موضع سخرية أو إذا كانت تلك مقدمة مقاومة مسلحة، فانتظر حتى أنهى المندوب النقابي مداخلته. حينئذ سأل تروتسكي اللجنة بكل رصانة ووقار إذا كانت تسمح للضابط بإعطاء تصريح «لأخذ العلم». وقد قرأ الضابط مذكرته، فدعا تروتسكي اللجنة لتدوين ذلك وانتقل إلى النقطة الثانية من جدول الاعمال. ثم أخذ الكلام عضو آخر.

وتلعثم الضابط الذي اذهله ذلك السلوك الغريب وهو يقول: “عذراً”، ثم استدار نحو تروتسكي كما لو كان يطلب منه المساعدة.

– “لا تقاطع!” صاح به تروتسكي بجفاف. لقد منحناك فرصة للكلام، وأعطيت أنت تصريحك، ودوّنا نحن ما جاء فيه. هل ترغب اللجنة في الاستماع بعد إلى هذا الشرطي؟.
«کلا!».

– “أطلب اليك إذا أن تغادر القاعة”.

وتعثر الضابط، وتمتم بعض الكلمات وخرج. فطلب تروتسكي عندئذ من أعضاء اللجنة أن يتلفوا كل الوثائق ويمتنعوا عن كشف هويتهم للشرطة. كانوا يصغون إلى الضجيج الذي يصدر من القاعة السفلية حيث كان النواب يحطمون مسدساتهم.

وعاد ضابط الشرطة إلى القاعة، لكن مصحوبا هذه المرة بمفرزة من الجنود. فنهض أحد أعضاء اللجنة وتوجه بكلامه إلى الجنود قائلا: «لقد جحد القيصر في هذه اللحظة بالذات وعود بيان تشرين الأول/ اوکتوبر، فيما قبل الجنود بأن يستخدمهم كأدوات ضد الشعب. واذ خشي الضابط تأثير خطاب من هذا النوع، سارع إلى صرف جنوده إلى الممشى وأغلق الباب خلفهم. فقال الخطيب وهو يرفع يده: «لن تحول الأبواب دون وصول نداء العمال الأخوي إلى الجنود».

وفي النهاية، اقتحمت مفرزة كبيرة من رجال الشرطة القاعة وأعلن تروتسکی آن “جلسة اللجنة التنفيذية قد رفع” .

هكذا انتهت، بعد خمسين يوما، ملحمة أول سوفييت في التاريخ (9).

____________________

(1) ب. میلیوکوف، كاك بر وشلي فيبوري فوفتور ویو غوس دومو، ص ۹۱-۹۲.
(2) لوناتشارسكي، ريفولوتسیونی سیلویني، ا. زيف، المرجع المذكور، ص ۵۰- 2.
(3) ل. تروتسكي، سوشيننيا، ج ۲، ك ۲، ص ۷۳.
(4) بیسا اکسلر ودا أي مارتوف ، م 145 146.
(5) اعترف لينين بذلك فيما بعد. ففي أيار / مايو 1957، وقبل أن ينضم ترونسكي مجددا إلى صفوف الحزب البلشفي، اقترحه لينين لادارة الجريدة اليومية الشعبية البلشفية، وذكر بالنوعية الممتازة لجريدة تروتسكي روسکایا غازينا التي كانت تصدر عام 1905. إلا أنه تم مع ذلك اسقاط اقتراح لينين. كراسنايا ليتوبيس، العدد 3 (14) ۱۹۲۳.
(6) روسکایا غازيتا، ۱۷ تشرين الثاني/ نوفمبر، ۱۹۰۰. تروتسكي، سوش. ج ۲، ۲، ص ۳۰۱ – ۳۰۳.
(7) لم تأت مبادرة المقاطعة من السوفييت بل من جمعية فلاحي عموم روسيا، الاكثر اعتدالا، التي كان السوفييت يتعاون معها بشكل وثيق. وقد وقع على بيان المقاطعة كل من السوفييت، والجمعية المذكورة، وجناحي الحزب الاشتراكي – الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الثوري والحزب الاشتراكي البولوني. P, P . S.
(8) حين قرر القيصر، بعد مرور سبعة أشهر على ذلك التاريخ، وبعد هزيمة الاشتراكيين، أن يسوي حساباته مع الليبراليين ويصرف الدوما الثانية، دعا هؤلاء أيضا، في بيان فيبورغ المشهور الذي صدر عنهم، إلى المقاطعة المالية. وقد فعلوا ذلك بالتعابير ذاتها تقريبا التي استخدمها السوفييت، لكن دون جدوى. وكان بيان فيبورغ يطالب الشعب أيضأ برفض الخدمة في جيش القيصر.
(9) سفرنشکوف، نازاري ريفولوتسبي، ص ۱۹۳ – ۱۹۵. تروتسكي، داي روسيشي ريفولوسيون ۱۹۰۰، ص ۱۷۷ – ۱۷۹، ولكتابة هذا الفصل، استند قسم من التوثيق إلى. ف. فواتنسكي، غودي بوبيد أي بورازهني، ك۱، ص ۱۸۶، ۲۲۲ – ۲۲۳ …، غارفي، فوسبوسینانیا سوتسيال، ديمكراتا، س. يو، ويت، فوسبو مينانيا، ج ۲.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 4 (35)