Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 4 (35)

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام ۱۹۰5 جـ 4 (35)

في 19 تشرين الأول / أوكتوبر، أي بعد يومين من نشر بيان القيصر، طلب تروتسكي من السوفييت أن يضع حدا للإضراب العام. لم يكن لمواصلة الإضراب الا القليل من الحظ في تحقيق نجاحات جديدة، لكن كان يمكن لها أن تؤدي إلى اهراق المزيد من الدماء. وقد تجاوب السوفييت مع رأيه بالإجماع، وانتهى الاضراب العام في ۲۱ تشرين الأول / اوکتوبر. وأعلن السوفييت آنذاك أن الجنازة الرسمية للعمال الذين سقطوا خلال الاضراب ستتم في ۲۳ تشرين الأول / اوکتوبر. وفي الثاني والعشرين، علم أن الجنرال تریبوف يستعد لمنع المظاهرة بواسطة رجال الدرك، وأن الاوخرانا تهيئ في الوقت ذاته مذبحة لليهود. وفي الليل، تکلم تروتسكي في السوفييت طالباً الغاء الجنازة. فكان الاقتراح الذي قدمه يقول: «أن السوفييت يعلن ما يلي: لن تقوم بروليتاريا بطرسبورغ بهجومها النهائي على الحكومة القيصرية في اليوم الذي يختاره تریبوف، بل في اليوم الذي يناسب البروليتاريا المسلحة والمنظمة»(1). وكظم السوفييت كبرياءه والغي الاحتفالات المتوقعة من اجل جنازة شهدائه. كان في هذا العمل الذي ينم عن التواضع والخضوع شيء من القلق والغم: هل سيكون بإمكان البروليتاريا أن تخوض معركة نهائية في اليوم الذي تختاره هي إذا لم تكن مسلحة أو منظمة؟ وكيف ستتسلح؟ في اليوم ذاته قرر السوفييت خلق مجموعات قتالية كانت مهمتها المباشرة الحيلولة دون المذبحة ضد اليهود. في وقت لاحق، أثناء محاكمة السوفييت، قدم البرهان على أن مذبحة كانت معدة بالفعل وان رد فعل السوفييت هو وحده الذي حال دونها. إلا أن المجموعات القتالية، وحتى تلك التي كانت تحرس السوفييت لم يكن في حوزتها غير المسدسات، وكان معظم أفرادها لا يحملون غير عصي وعوارض حديدية. بيد أن الدعوة إلى التسلح كانت أحد الاتهامات الرئيسية الموجهة إلى السوفييت (2).

لكن السوفييت احتفظ مع ذلك بالمبادرة بقوة. فبيان تشرين الأول / اوکتوبر وعد بحرية الصحافة، بيد أن الوزير الأول ويت، الذي كان ليبرالياً مزيفاً، لم يلغ لهذا الرقابة. وردا على ذلك، أعلن عمال المطابع الذين شجعهم السوفييت، رفضهم صف – أو طبع – صحف وكتب تخضع للرقابة. وهكذا قدموا لروسيا أول نموذج من الصحافة الحرة، عن طريق الضغط على الحكومة والناشرين والكتاب. ثم رفع مطلب يوم العمل من ثماني ساعات الذي طبق العمال مضمونه في مراكز العمل تحت رعاية السوفييت. وفي نهاية تشرين الأول / اوکتوبر أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في بولونيا، وهو ما شعر به ثوريو بطرسبورغ كإهانة لهم. نظم السوفييت في أول تشرين الثاني / نوفمبر استقبالا احتفالية لـ «مندوبي بولونيا المضطهدة». إلا أن أعضاء السوفييت صدموا حين لاحظوا أن ممثلي الشعب البولوني كانوا كلا من الكونت زاموجسكي، والكونت کرازینسکي، والأمير لوبوميرسكي، وبعض الكهنة الكاثوليك، وبعض التجار، وفلاحاً واحداً وعاملاً واحداً. ومع ذلك فقد استقبل تروتسكي الوفد بحرارة وأعلن بصورة رسمية حق بولونيا في تقرير مصيرها. وقرر السوفييت القيام بإضراب عام آخر تعبيرا عن التضامن مع بولونيا. ولما كانت الحكومة اعلنت في الوقت ذاته أن بحارة كرونشتادت الذين شاركوا في الاضراب العام سيحولون للمحاكمة أمام محكمة عرفية، فقد امتزجت بصيحات الدعوة إلى حرية بولونيا الصيحات الداعية الى تحرير البحارة (3).

أن ذلك القدر من الشهامة والبطولة لم يكن يمر دون أن ترافقه بعض الدعاية العدوانية. فلقد وجه الوزير الأول ویت نداء إلى المضربين يقول فيه: «أيها الأخوة العمال، استمعوا إلى نصيحة رجل لا يكنّ غير المودة لكم، ويريد لكم الخير». وقد وصل النداء إلى السوفييت وسط جلسة عاصفة، فكتب تروتسكي على الفور الجواب التالي (4):

“العمال ليسوا اخوة الكونت ویت … يسألنا الكونت ويت أن نشفق على نسائنا واطفالنا … يسأل السوفييت … العمال أن يحصوا عدد الأرامل واليتامى الذين تدین الطبقة العاملة بهم إلى الوزير ويت. ويتكلم الكونت ویت عن عطف القيصر على الطبقة العاملة. يذكر السوفييت بـ… الأحد الأحمر الواقع في 9 كانون الثاني / يناير. يبتهل الكونت ویت لنعطيه الوقت ويعد بأن يفعل كل ما في وسعه… يعرف السوفييت ان الكونت ویت عرف كيف يجد الوقت ليسلم بولونيا لجلادي الجيش … والسوفييت على يقين تام من آن ویت سیفعل كل ما في وسعه لخنق البروليتاريا الثورية. الكونت ويت … يريد لنا الخير. يعلن السوفييت أن لا حاجة لديه إلى خيرات حاشية القيصر الأذلاء. انه يطالب بتمثيل شعبي قائم على الاقتراع العام، المتساوي والمباشر والسري” (5).

في الصالات الليبرالية، في مدرجات الكليات، في المقاهي الشعبية، انفجر الجميع بالضحك. أما ويت فقد اعترف بأنه أصابته نوبة عصبية وهو يقرأ جواب السوفييت (6).

وفي ه تشرين الثاني / نوفمبر، طلب تروتسكي أمام السوفييت، وباسم المكتب، وقف الاضراب العام الجديد. فالحكومة أعلنت ان محاكمة بحارة كرونشتادت ستتم أمام محاكم عسكرية عادية، لا أمام محاكم عرفية. وكان بإمكان السوفييت أن ينحني، فذلك ليس النصر إلا أنه تمت حماية الشرف. وقد كان عليه أن يفعل ذلك لأن التعب كان يزداد في صفوف مضربي المقاطعات. شرح تروتسكي فكرته كما يلي: “ان الاحداث تعمل لصالحنا، فعلينا ألا ندفع بها إلى الهاوية. علينا مواصلة إعداد أنفسنا أطول وقت ممكن، وربما طيلة شهر أو شهرين أيضاً. علينا قبل كل شيء أن ننظم القوى الشعبية، علينا أن نجعل من الطبقة العاملة جيشاً حقيقياً”، لم يكن بالإمكان مواصلة إضراب عام إلى ما لا نهاية له، فالإضراب العام ينبغي أن يؤدي إلى الانتفاضة، والسوفييت لم يصبح مستعدة لذلك. قال تروتسکی: «حين ينضم عمال سكك الحديد والمواصلات الهاتفية والبرقية والبريدية إلى صفوف الثورة، عند ذلك سيصنع فولاذ السكك والأسلاك البرقية من جزر الثورة الكثيرة المتوزعة في كل أنحاء البلاد قلعة واحدة وعظيمة. حينذاك نصبح قادرين، في فرصة أربع وعشرين ساعة إذا اقتضى الأمر، على تفجير الثورة في روسيا جمعاء».

في الوقت الذي كان تروتسكي يحاول فيه أن يكبح جماح متعصبي الثورة، كان في السوفييت تجسيدا لتحدٍ شرس ومشبوب. انظروا كيف نقل حواراً له مع ليبرالي مرموق كان يشجعه على الاعتدال: ذكرته حينذاك أنه خلال الثورة الفرنسية، صوتت الكونفنسيون (*) على اقتراح يعلن أن الشعب الفرنسي لن يناقش العدو على أرضه الخاصة به. فصرخ أحد أعضاء الكونفنسيون عندئذ: «هل وقعتم على معاهدة مع النصر؟ – فأجيب بالقول: «کلا، بل وقعنا على معاهدة مع الموت». أيها الرفاق حين تقول لنا البورجوازية الليبرالية، هل تعتقدون بقدرتكم على مواصلة النضال من دوننا؟ هل وقعتم على معاهدة مع النصر؟ علينا أن نرمي في وجهها الجواب ذاته: كلا، لقد وقعنا على معاهدة مع الموت (7).

وبعد مرور عدة أيام، كان على تروتسكي تذكير السوفييت من جديد بضعفه ليدفعه إلى التخلي عن التطبيق الإجباري ليوم العمل من ثماني ساعات. وكان المستخدمون ردوا بإقفال المصانع في وجه أكثر من مئة ألف عامل. وقد انقسم السوفييت، وأعلنت أقلية تأييدها للاضراب العام. وانتصر تروتسكي في الاخير بفضل دعم عمال المعادن. غدت التراجعات من هذا النوع متواترة، إلا أن ضغط التطرفية الشعبية كان يجعلها حتمية. وما يفاجئنا هو أنه لم يكن لضعف السوفييت نتائج أكثر كارثية، لا سيما إذا فكرنا بأن محرکه الرئيسي كان لا يزال شابا يافعاً لم يقد يوما حركة جماهيرية على قدر من الأهمية، لا بل لم يشارك بمثلها في يوم من الأيام. وإذا أخذنا بالاعتبار كل الصعوبات التي كان على تلك الثورة ان تتخطاها، فإن تكتيك السوفييت، الذي كان يتمثل بإرهاق العدو دون خوض معركة عامة ضده، يبدو حينئذ لا عيب فيه تقريبا. وبالمقابل، فإن النتائج التي توصل إليها، والسلطة التي عرف كيف يحتفظ بها إلى النهاية، والتنازلات التي توصل إلى انتزاعها، تبدو مثيرة. وعلينا أن ننتظر عشرين عاما، والصراع بين تروتسكي وستالين، لنرى من يأخذ على تروتسكي «اعتداله» خلال خريف 1905. لكن خلال العشرين عاماً هذه، نظر البلاشفة الى قصة السوفييت كفصل مجيد في سجلات الثورة (8).

ولم يقدم البلاشفة أي اقتراح آخر للسوفييت، أو أدنى ايحاء. وفي الأدب السياسي المخصص لهذا الموضوع، عزي فشل ثورة ۱۹۰۰ دائماً إلى وضع البلد «الموضوعي»، لا إلى أخطاء قائد ما، وأقل أيضا إلى أخطاء تروتسكي (9).

سرعان ما أصبح السوفييت المركز الثوري الكبير الذي لم يتوفر للمجموعات والزمر الوقت لتقدير اهميته وتحديد موقفها تجاهه. وحوالي منتصف تشرين الثاني / نوفمبر، كان كل القادة المهاجرين الذين عادوا أخيراً من أوروبا الغربية ينظرون بقلق وذهول إلى هذه الجمعية التي تشبه تماماً كونفنسيون روسية. بيد أنه كان فيهم شيء ما «مهاجر» جداً، بحيث يعجزون عن الانغراس فيها، زد على ذلك أن السوفييت كان بدأ يعمل، حين وصلوا، منذ ثلاثة اسابيع أو أربعة. وكان تروتسكي هو الذي تولى عندئذ، باسم بروليتاريا بطرسبورغ، وأمام السوفييت، تحية تضحية المهاجرين القدامى وبطولتهم (10). حين تركهم في بداية العام، كان هؤلاء لا يزالون يعاملونه بمزيج من الاعجاب والتنازل اللذين يحس بهما المرء ازاء طفل عجيب. أما الآن فكانوا ينظرون إلى هذا الرجل باحترام مستجد، بعد أن رأوه يسيطر على المنبر بسلطة القائد وقرأوا على الوجوه القاسية والرصينة لذلك الحشد من العمال سلطته والورع الذي كان يلهمه. ويروي لوناتشارسكي أن أحدهم قال للينين، بعد عودته بقليل، في الثامن أو العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، أن «الرجل القوي حاليا في السوفييت هو تروتسکی». «بدا لينين وقد اكفهر لحظة ثم أعلن: لم لا؟ انه يدين بذلك لاجتهاده المثابر والمرموق». وإذا كان لينين اكفهر لحظة فعلى الأرجح لأنه سمع مجددا في لمح البرق النعوت الجارحة التي وصفه بها تروتسكي. لقد بقيت على قلبه: قبل وقت قصير، أخذ على بارفوس تعاونه مع تروتسکي وهذه الصدفة الفارغة، صانع الجُمل هذا، هذا البالالايكين (11). أما الآن فكان يحيي بشكل مشرف مزاياه وعمله.

وبدا أن تروتسكي، من جهته، يدعم خصومه القدامى، لسبب آخر. ولينين، کمارتوف، كان يعتقد الآن أن خصوماتهم المحمومة لم تكن غير عواصف في فناجين شاي الهجرة. كانت النقاشات حول صلاحيات اللجنة المركزية وشروط الانتساب للحزب مبررة بالنسبة لمنظمة سرية. إلا أن الحزب كان مذاك قد خرج من السرية ليعمل في وضح النهار: للمرة الأولى، كان في وسع اعضائه أن يصوتوا وينتخبوا أجهزتهم القيادية دون الخوف من الاوخرانا. وكان لينين لا يرغب اقل من مارتوف في أن تنتخب القاعدة اللجان، لا أن تعين من فوق (12). من جهة أخرى، اهتزت قناعة المناشفة بالرسالة الثورية الخاصة بالبورجوازية؛ تمكنوا من أن يروا أن تلك القناعة لا تتفق مع الوقائع. لقد تأثرت مجموعة بطرسبورغ المنشفية تأثرا عميقا براديكالية تروتسكي بحيث خضع القادة المهاجرون ولم يعاندوا. بدا أن كل الخلافات قد زالت؛ وقبل نهاية العام، کرس اندماج اللجنتين المركزيتين البلشفية والمنشفية المصالحة بين التكتلين، وبدا أن متعصبي الانشقاق كانوا على خطأ مبين، بينما كان نصير الوحدة محقا (13).

__________________

(1) ل. تروتسكي، سوش، ج۲، ك۱، ص ۲۸4.
(2) انظر الفصل 4، سفر تشكوف، نازاري ريفولوتسيي ص ۲۰۰.
(3) ظهر خطاب ترحيب تروتسكي بالبولونيين في الأزفستيا، العدد 5 (3 نوفمبر)
(4) يروي سفر تشكوف أن السوفييت كلفه هو بوضع مشروع جواب، لكنه لما كان ينقصه الوحي، طلب إلى تروتسكي الذي وصل لتوه کتابته عوضا عنه. وقد كتب تروتسكي في الحال جوابا قرأه وسط الحماس العام. سفر تشكوف، نازاري ريفولوتسي، ص ۲۸.
(5) تروتسكي، المرجع المذكور، ص ۲۸۷.
(6) تثبت شهادة ميلیوکوف أن تروتسكي لم يظلم الكونت ویت. فقد ذهب میلیوکوف في تلك الفترة إلى ويت وقال له أنه يرى من واجب القيصر إصدار دستور فوراً، من دون انتظار الدوما. وقد أجابه ويت بأن القيصر لا يريد ذلك وأن بیان تشرين الأول / اوکتوبر قد أعلن في لحظة رحمی. رویت ذاته لم يكن يريد دستوراً، فشبه نظام دستوري كان يكفيه. میلیوکوف، ایستوريا فتور ري روسکوې ريفولوتسيي، ج ۱، ك۱، ص ۱۸ – ۱۹.
(*) الجمعية التأسيسية التي انتخبت أبان الثورة (م)
(7) ظهر الخطاب في الأزفستيا، العدد ۷، ۷ نوفمبر ۱۹۰۵، سوش. ج ۲، ك۱، ص ۲۹۰.
(8) لا بل كان البلاشفة يحتفلون بانتفاضة موسكو ۱۹۰5، بورع وحماس، تلك الانتفاضة التي قادها أعضاء من مجموعتهم.
(9) لينين، سوشيننيا، ج ۲۳، ص ۲۲۸، برفارروسکایا ریفرلوتسیان بطرسبورغ ۱۹۰۰، ج ۱ و۲. لم يظهر أي خلاف على تكتيك السوفييت في مؤتمر الحزب اللاحق. انظر بياني سپيزد. R. S . D . R . P ، و سفر تشكوف، المرجع المذكور، ولم يبدأ مؤرخو الحزب (ليادوف وبوکوروفسكي) إلا حوالي ۱۹۲۹، مراجعة هذا الموقف شيئا فشيئا إلى أن أكد تاريخ الحزب الشيوعي السوفياتي الخاص بستالين (ص ۷۹-۸۰) بشكل مکشوف إن السوفييت الخاضع لتأثير تروتسكي ومناشفة أخرين كان ضد الاعداد لانتفاضة.
(10) انظر ذکریات میخایلوف في برفایا روسكايا بطرسبورغ ، ۱۹۰۰، ج ۱، ص ۱۲۸، تروتسکی، حياتي، ج ۱، الفصل 14.
(11) البالالايكين شخصية هجائية لسالتيكوف – شتشیرین. ثرثار، ماهر في التخطيط، مدّع، ومحام. كان ذلك رد لينين على نعت “محام مشوّه”، الذي خصه به تروتسكي.
(12) لينين، سوش. ج ۱، ص ۱۲ – ۲۱.

(13) ل. مارتوف، ایستوريا روس، سوتس. دیم. ص ۱4۱ – ۱۰۱.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام 1905 ج 3 (34)