‫الرئيسية‬ نظرية النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام 1905 ج 3 (34)
نظرية - 24 أغسطس، 2020

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام 1905 ج 3 (34)

إلا أن الأحزاب والتجمعات ذات الاتجاه الاشتراكي لم تكن تبنت بعد موقف مشتركة حيال السوفييت. فالمناشفة والاشتراكيون – الثوريون قرروا أن يرسلوا اليه ممثليهم فوراً.
أما البلاشفة فكانوا يرفضون حذو حذوهم: لم يكونوا مستعدين للقبول بذلك إلا إذا اعترف السوفييت سلفا بسلطة الحزب. أما تروتسكي الذي دعاه کراسين الى اجتماع اللجنة المركزية للحزب البلشفي فحث اعضاءها على الانضمام إلى السوفييت من دون شروط مسبقة وأعلن أنه ليس لحزب، أو لمجموعة، حق في التطلع إلى قيادة حصرية. فعلى السوفييت أن يكون جمعية تمثل كل الآراء ضمن الطبقة العاملة، لأن هذا هو الشرط الذي لا بد من توفره لأجل أن يتمكن هذا السوفييت، في مناخ من الوحدة، من قيادة الاضراب العام والحالة الثورية التي يمكن أن يولدها.

لم يكن النقاش قد اختتم حين أصدر القيصر بيان في ۱۷ تشرين الأول/ أوكتوبر يعد فيه بدستور وبالحريات المدنية والاقتراع العام، بعد أن أرعبه الاضراب العام. وكان البيان من وضع الكونت ویت، الوزير الأول، وكان نصف ليبرالي. هكذا تم دفن دوما بوليغين قبل أن تبصر النور، وبدا أن القيصر تخلى عن ذلك الحكم المطلق، القديم قدم السلالة الملكية بالذات. وقد حدث ذهول في بطرسبورغ سرعان ما تبعه انفجار الغبطة والفرح. اكتسح جمهور سعيد شوارع العاصمة وقرأ البيان بدهشة. إلا أن معارضي الاصلاح هم الذين كانوا يحتفظون على صعيد الحكومة، بالسلطة. وقد أصدر الجنرال تریبوف، وزير الداخلية، أمرا للشرطة يقول: «لا توفروا الرصاص» وألصق الأمر على الجدران الى جانب البيان كشرح سيء النية لـ «العهد الجديد» المعلن عنه. وقبل نشر بيان القيصر، كانت الشرطة أوقفت العديد من المناضلين.

وفي صبيحة يوم ۱۷، كان تروتسكي انضم إلى التجمع الشعبي الضخم الذي توجه إلى المعهد التكنولوجي حيث غدا مقر السوفييت منذ يومين. كان رهط من رجال الدرك الممتطين أحصنة يشقون صفوف الجمهور. وبدا أن بلاغ تریبوف يقول انه ما زال الوقت مبكراً جدا للتغني بالنصر، إلا أن الكتلة البشرية المؤلفة من عمال وبورجوازيين صغار غمرتها الفرحة العامة. كان العمال أبطال ذلك النهار، فإضرابهم هو الذي انتزع من القيصر الوعد بدستور وبإطلاق الحريات. كانت البيوت مزينة بعلم السلالة القيصرية الملون بالأبيض والأحمر والأزرق، إلا أن العمال الشباب سارعوا إلى انتزاع الرقع الزرقاء والبيضاء والقائها أرضا، ورفعوا أعلاما ضيقة حمراء ممزقة الأطراف. كان الموكب يقترب من المعهد التكنولوجي حين أوقفه حاجز من رجال الشرطة والدرك.

وقد توجهت المظاهرة إلى الجامعة حيث كان ينعقد لقاء جماهيري وكان بين الجمهور المغتبط والمتزاید ضخامة الشاب الذي طالما انتظر لحظة من هذا النوع سبق وتنبأ بها. كان في تلك اللحظة فريسة القلق، وكان يتحرق لتحذير هذا الشعب المحيط به من استعجاله التعبير عن بهجته الغامرة. وقد دخل الجمهور الى ساحة الجامعة، وكان الخطباء يتكلمون من احدى الشرفات. شق تروتسکي طريقة له الى الشرفة عبر الجمهور المتلاصق، فهناك بالذات كان مكانه الطبيعي! وكان منظمو اللقاء يعرفونه كالرجل الذي مثل المناشفة في السوفييت، باسم يا نوفسكي (أي رجل یا نوفکا). وكان البعض يعرفون أنه تروتسکی، الذي يكتب في الايسكر (1). وقد تفحص الحشد الذي تحت بصره: لم يسبق أن شاهد ما يشابه ذلك. وبصوت بدا له غريباً وبعيداً، قال: «أيها المواطنون! لأننا قبضنا على عنق الزمرة التي تحكمنا، وعدتنا بالحرية»!

وتوقف، كما لو كان يتساءل إذا كانت برودة حديثه ستبدد حماس الجمهور. بحث عن الجمل والكلمات التي يمكن أن تفهم هؤلاء الناس أنه يشاطرهم فرحهم، وأن عليهم الاحتراس من سرعة التصديق لديهم.

ثم واصل قائلا: «من هذا الجلاد المتعب الذي يستوي على العرش انتزعنا الوعد بالحرية. انه نصر عظيم! لكن لا نستعجلن اعلان النصر، فانتصارنا لم يكتمل بعد. هل الوعد بالكنز يساوي الكنز ذاته؟ هل الوعد بالحرية يساوي الحرية؟… انظروا حولكم، أيها المواطنون! هل تبدل شيء بين البارحة واللحظة الحاضرة؟ هل انفتحت أبواب السجون؟ هل عاد أخوتنا من صحاري سيبيريا؟..

وصاح الجمهور: «العفو! العفو»! إلا أنه لم يكن ذلك هو الجواب الذي اراده تروتسكي. كان يود أن ينبثق من الصدور والحناجر شعار آخر:

لو كانت الحكومة عازمة حقا تحقيق السلام مع الشعب، لبدأت بمنح عفو عام. لكن ليس هذا كل شيء أيها المواطنون! يمكن أن يطلق اليوم سراح المئات من المناضلين لكن من يضمن أنه لن يلقى بالألوف غدا في السجون؟ ألم يلصق الأمر الذي يقول: «لا توفروا رصاصكم» إلى جانب البيان الذي يعدنا بالحرية؟ ألا ترون أن الجلاد تریبوف لا يزال سيد بطرسبورغ المطلق؟

وصاح الجمهور: “فليسقط تریبوف”.

«فليسقط تریبوف!» ردد تروتسكي، “أجل لكن هل تريبوف وحده؟… انه يمسك بنا لأن في تصرفه الجيش. انه قدير لأن الحرس دعامته ومستنده، الحرس الذين لم يتمكنوا من محو دماء التاسع من كانون الثاني / يناير عن بزاتهم، والذين تلقوا الأمر بالتصويب جيدا، وبألا يخطئوکم. هل تقدرون، هل تريدون، هل تقبلون الحياة تحت تهديد البنادق؟.

أما جواب الجمهور فكان المطالبة بإبعاد القوات عن بطرسبورغ. إلا أن تروتسكي الذي أثارت غيظه سرعة عطب الانتصار الشعبي، وردود الفعل لدى ذلك الجمهور رابط الجأش، وجمحت به السلطة غير المتوقعة التي كان يمارسها عليه، صاح مختتماً: أيها المواطنون، أن قوتنا الوحيدة في ذاتنا. وعلينا أن ندافع عن الحرية والسلاح بأيدينا. أما بيان القيصر فهاكم اياه. ليس غير خرقة من الورقل (2).

وبحركة مسرحية رفع البيان ليراه الجميع ومزقه بغضب اربا ارباً.

و قدموه لنا اليوم هدية، وسيستعيدنه منا غدا ليمزقوه، وتطير حریتکم کمزق الورق التي ترون.

هكذا كان تروتسكي حين تكلم للمرة الأولى في عاصمة روسيا.

كان تروتسكي فضح في خطابه كل نقاط الضعف التي ستعود بالشؤم على ثورة ۱۹۰۰. لقد اهتزت ثقة القيصر نفسه، إلا أن الآلة الحكومية الضخمة لم تمس. كان هنالك بالطبع خميرة ثورية في الجيش، لا سيما في البحرية، إلا أن القوزاق، والحرس، والمشاة الذين لا يحصون من الموجيك ظلوا متجمدين في الطاعة التقليدية العمياء. وكان الجيش يعكس العالم الريفي الفسيح الذي يشله فرط بؤسه بالذات. كانت الثورة يومذاك حكرا على المدن، وحتى في المدن كانت نجاحاتها تثير المخاوف. فالبورجوازيون والناطقون الليبراليون باسمهم، الذين يتعلقون حالمين بوعود القيصر، لكن يزعجهم انهم يدينون بها لإضراب العمال العام، كانوا يسعون بقلق وراء وضع حد للثورة. وتحت هاجس شبح «الفوضي» العامية، كانوا يخافون بالقدر ذاته أن يؤدي استمرار الثورة الى أن يعير القيصر أذنه لنصائح الذين يريدون جره الى طريق القمع بدل السير على طريق التنازلات. وكان الليبراليون يشرحون للاشتراكيين قائلين: «إذا لم توقفوا النضال ستكون الحرية التي حصلنا عليها وهما». إلا أن الاشتراكيين كانوا يجيبون: لكن هذه الحرية هي وهم حقا، فبيان تشرين الأول/ اوکتوبر لم يقدم للطبقة العاملة الشعور بالنصر بقدر ما جعلها تعي قوتها وينفد صبرها لاستخدام تلك القوة في معارك جديدة. وكانت كل طبقة اجتماعية تواصل السعي وراء هدفها الخاص. كانت البورجوازية تأمل أن تحصل على أقصى الفائدة الممكنة من ملكية دستورية. أما العمال فكانوا جمهوريين. الأولون لم يكونوا يريدون أكثر من الحرية السياسية، بينما كان الأخرون يصوغون مطالب اجتماعية تتهم البورجوازية والقيصرية في الوقت ذاته.

لقد فاقت الطبقة العاملة المتحمسة والمندفعة حتى القادة الاشتراكيين. فهؤلاء كانوا يعدون قواتهم، ويبلورون خططهم ويضعون تقويمهم. كانوا يتوقعون أن يبلغ الصراع أوجه في 9 كانون الثاني/ يناير 1906، في ذكرى المسيرة الى قصر الشتاء (3). إلا أن البرنامج قد قلبته رأسا على عقب حماسة الجماهير، التي سرعان ما تجيب عن الاستفزازات بالأفعال. إلا أن ضعفها كان مساويا على الأقل لرباطة جأشها، وما كان في وسع النتيجة إلا أن تكون كارثية. فالطبقة العاملة لم تكن مسلحة، اذ أين يمكن أن تجد ما يكفي من السلاح إذا لم ينضم إليها الجيش؟ فحتى حين تتوفر الشروط المثالية لنجاح ثورة، ينبغي الكثير من الوقت لتدخل روح التمرد إلى الثكنات. وعقلية الجيش الروسي كانت تعكس عقلية الفلاحين. والحال أن الفلاحين الروس لم يبدأوا بالتحرك جدياً إلا عام ۱۹۰۹. لكن في ذلك الحين كانت الثورة في المدن قد سحقت تماما، سحقها الفلاحون الشباب بزيهم العسكري، هم الذين كان بإمكانهم أن يدعموها لو أن الحركة كانت أقل عجلة في المدن. فالثورة بذرت طاقتها جزءاً فجزءاً. لم تكن للطبقة العاملة أي خبرة في الانتفاضة، وكانت الأحزاب الاشتراكية ضعيفة الى حد عجزها عن كبح نفاد صبر العمال. وكان هنالك بوجه خاص، ذلك الواقع الحاسم المتمثل بأن النظام القديم لم يكن قد استنفد قواه. كان لا يزال قادراً على بث الفرقة في صفوف القوى التي يمكن أن تتحد في وجهه.

ان سوفييت بطرسبورغ، مرکز هذه الثورة المحكوم عليها سلفاً، كان منذ البدء نقطة التقاء كل التيارات المتعارضة. كان يتجاذبه منذ البدء الشجاعة والحذر، الضغط البركاني للمحيط المحمى للغاية وحكمه السياسي الخاص به. وقد انتخب السوفييت مكتبه في 17 تشرين الأول/ اوکتوبر، هذا المكتب الذي ضم بين من ضم ثلاثة مناشفة وثلاثة بلاشفة وثلاثة اشتراكيين ثوريين. كان كنونيانتس – رادین وسفر تشكوف (الذي كتب فيها بعد تاريخ السوفييت) القائدين الرئيسيين للبلاشفة. وكان تروتسكي الممثل الرئيسي للحزب المنشفي، مع أنه استقال منه خلال اقامته في الخارج. لقد نجح منذ عودته في التأثير على المنظمة المنشفية في العاصمة وقلبها ضد قادتها المهاجرين (4). وكان يعاونه زلیدنييف، وهو عامل جاء إلى بطرسبورغ من نیکولایيف انتدبه رفاقه في بداية العام للمشاركة في لجنة السناتور شیدلوفسكي. وبناء على طلب تروتسکی خلقت اللجان المنشفية والبلشفية في بطرسبورغ مجلسا فيدرالياً مهمته الاعداد لاجتماع المجموعتين، وتنسيق عملها، في الحالة الحاضرة، داخل السوفييت (5). وكان يقود الاشتراكيين الثوريين أفکسنتييف بالذات، الذي أصبح في عام ۱۹۱۷ وزيرا للداخلية في حكومة کرنسكي، وأمر يومذاك بتوقيف تروتسكي. إلا أن الأحزاب الثلاثة تعاونت في عام ۱۹۰۰ تعاون کاملا. لم يحاول أي منها أن يطغى على الآخرين. وقد اتفقت فيما بينها لانتخاب خروستاليف – نوزار رئيسا للسوفييت، وكان محامياً من خارج الأحزاب اكتسب ثقة العمال بدفاعه عنهم في نزاعات العمل (6). وغدت لخروستالیف حظوة كبرى في الخارج، حيث كان يمثل السوفييت رسميا. إلا أن قرارات السوفييت السياسية كانت من عمل الأحزاب، والاشتراكيين – الديمقراطيين بشكل رئيسي، فدور خروستاليف في الثورة كان عرضياً. فملهم السوفييت ومحرکه کان تروتسكي، كما تشهد على ذلك روايات أعضائه وذكرياتهم. فهو الذي تكلم في المناسبات الكبرى باسم البلاشفة والمناشفة والسوفييت بكامله. وهو الذي حرر معظم بيانات السوفييت ومقرراته، وهو الذي كان يدير الأزفستيا. هكذا قامت منافسة صامتة في الكواليس بين رئيس السوفييت الرسمي ورئيسه الفعلي (7).

________________

(1) بيرفایا روسكايا ريفولوتسیاف بيتربورج ۱۹۰۰، الجزء الأول، ص63، الجزء ۲، ص

۱۸.
(2) ل. تروتسكي، داي روسيشي ريفولوسيون ۱۹۰۰ ص ۹۳ – 16.
(3) في الرسالة التي بعث بها لينين من أستوكهولم والتي لم تنشرها البرافدا الا عام 1940، وقد سبق وأشرنا اليها، کتب بوجه خاص، ويجب الا يبقى في الذكرى السنوية ليوم 9 كانون الثاني / يناير العظيم أي أثر للمؤسسات القيصرية في روسيا، لينين، سوشیننیا جزء ۱۰ ص ۱۱ وكان آخرون اقل توقعا لانتصارات بتلك السرعة وتلك الجذرية. وقد كتب لينين، مرة أخرى، أن من الأفضل تأجيل الانتفاضة حتى ربيع 1906 (المرجع ذاته، ج 3، ص ۳۱۱).
(4) ل. مارتوف، ایستوریا روس. سوتس. دیم، ص ۱۹۱ – ۱۳.
(5) ظهر نص الاتفاق بتوقيع تروتسكي في الأزفستيا، العدد ۲، انظر ايضا مارتوف، الاستشهاد ذاته.
(6) إلا أن خروستالیف نوزار انضم فيما بعد إلى الحزب المنشفي.
(7) وجه خروستالیف ضربة حاسمة لأسطورته حين اوقفته الشرطة الفرنسية، اثر هجرته، في قضية اختلاسات مالية، وفي عام ۱۹۱۷، طلب أن يقبل في سوفييت بطرسبورغ کرئیس قديم إلا أنه تم استبعاده بازدراء، وخلال الحرب الأهلية، في ۱۹۱۸ – ۱۹۱۹، برز كقائد لجمهورية صغيرة، دعيت جمهورية خروستالیف، في احدى مقاطعات روسيا الجنوبية، ولقد قتل بعد ذلك بوقت قصير. بصدد مجادلات خر وستاليف – تروتسكي، انظر ل. تروتسكي، سوش، الجزء ۸، ص ۱۹۰ – ۱۹۷، والجزء ۲، الكتاب ۱، ص ۱۱۰ – ۱۱۱، ۱۰۸ – ۰۰۹، ن. سوخانوفر، زابيسكي، أوريفولتسبي، ج ۱، ص ۱۲۹، ۱۲۹.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الخامس – تروتسكي في عام 1905 ج 2 (33)

‫شاهد أيضًا‬

أفيون الشعب (11)

سيطرة الدخلاء وقد يتساءل البعض كيف تسنّى للدخلاء أن يسيطروا على الحركة، سيطرة جعلتها أداة …