Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 4 (31)

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 4 (31)

كان الناشر المنشفي لا يزال يؤجل طبع كرّاس تروتسكي حين سمع الناس بأول فصل من فصول الثورة في روسيا. ففي ۲۳ / ۹ كانون الثاني / يناير 1905، سار عمال بطرسبورغ في موكب ضخم وسلمي نحو قصر الشتاء الخاص بالقيصر. وكان يقودهم الأب غابون، مرشد السجن، ومحمي زوباتوف، قائد الدرك الذي جهز منظمة عمالية لمصارعة الاشتراكية السرية. وكان المتظاهرون، الحاملون صورة للقيصر، وأيقونات، ورايات دينية، يأملون تسليم القيصر عريضة يتوسلون إليه فيها، بكل تواضع ونحيب، أن يصلح الأخطاء التي ارتكبت بحقهم. أما القيصر فرفض استقبال مقدمي العريضة وأمر قواته التي تحرس قصر الشتاء بإطلاق النار على الجمهور. وقد فجر بذلك المد الثوري.

وصلت الأنباء إلى تروتسكي في جنيف، الى حيث عاد بعد جولة من المحاضرات. وكانت توقعاته التي حاول نشرها عبثا بدأت تتحقق. وقد امتلأ أملاً؟ وهياجاً، فعاد إلى حيث بارفوس في ميونيخ، ومعه مسودة كراسه في جيبه. قرأ بارفوس المسودة وتأثر إلى درجة قرر معها أن يدعم بكل ما له من سلطة أطروحات تروتسکی. وضع مقدمة وطلب إلى المناشفة أن ينشروا الكراس. في تلك المقدمة، استخلص النتيجة التي لم يتجرأ تروتسكي على صوغها: «ستكون حكومة روسيا المؤقتة حكومة الديمقراطية العمالية.. وبما أن الحزب الاشتراكي – الديمقراطي على رأس الحركة الثورية.. ستكون هذه الحكومة اشتراكية – ديمقراطية» وحين صدر الكراس في الأخير، أثار نقاشات عديدة وشجع البلاشفة – كما المناشفة – على صياغة توقعاتهم الخاصة بهم، وقد انصبت المجادلة على خلاصة بارفوس التي رفضها البلاشفة والمناشفة على السواء. كان هؤلاء الأخيرون يؤكدون انه لما كان للثورة طابع بورجوازي، ولما كانت تستهدف الحكم المطلق وبقايا الإقطاع وليست لها منظورات اشتراكية، فالبورجوازية هي وريث السلطة الشرعي لا البروليتاريا. وقد رأوا أن الاشتراكيين لم يكونوا قادرين على المشاركة في أي حكومة بورجوازية، ولا تلك التي قد تنبثق من الثورة، إذ أن مهمتهم تكمن في أن يدافعوا، في المعارضة، عن مصالح الطبقة العاملة. وكان لينين يفكر أيضا بأن الثورة ستبقى بورجوازية طالما بقيت من دون هدف اشتراکي، إلا أنه لم يكن يعتقد بالمهمة الثورية للبورجوازية. وقد أكد أن من واجب الثوريين الدخول في حكومة ثورية. إلا أنه كان يعترض على تحليل بارفوس حول طابع تلك الحكومة الاشتراكي – الديمقراطي، وكتب لينين يقول: «لا يمكن لهذا أن يحدث، إذا لم نكن نفكر بأحداث عارضة بل بدیكتاتورية ثورية نصف قابلة للاستمرار، قادرة على ترك أثر في التاريخ. لا يمكن لهذا أن يحدث لأنه لا يمكن إلا لديكتاتورية ثورية كهذه أن تضمن بعض الاستقرار… لأنها تستند إلى أغلبية كبرى. إن البروليتاريا الروسية تشكل الآن أقلية بين سكان روسيا على الحكومة الثورية إذاً أن تتشكل من تحالف، تتواجد ضمنه، أو حتى «تسيطر العناصر البورجوازية الصغيرة ونصف البروليتارية.. وسيكون من الخطر بمكان أن نغذي أوهاماً حول هذا الموضوع مهما تكن تلك الأوهام»(1).

كانت تلك هي المرة الأولى التي تطالب فيها مجموعة، أو يطالب فرد، باسم الاشتراكية الروسية بشكل مکشوف بالسلطة، أو بمشاركة مهمة بالسلطة، ومن غرائب التاريخ أن أول من صاغ هذه المطالبة هو بارفوس، وكان شخصا من خارج الثورة الروسية، وكان لينين هو من رفضها بما يشبه الاستفظاع. بدت الثورة في نظر لينين، «تتراجع، وقد أفزعها الاتساع الحائر لأهدافها الخاصة». إلا أنه حتى بارفوس تکلم على «حكومة عمالية» لا على ديكتاتورية البروليتاريا. أما تروتسكي فلم يفكر بالاعتراض على التأكيد المشترك بأن الثورة ستكون بورجوازية خالصة، وبأنه ما أن تزول المؤسسات الاقطاعية والاستبدادية حتى ينتهي دورها. في الوقت ذاته ، كان يبدو له (کما لبارفوس) أمرا لا يدحض، أنه إذا كانت البروليتاريا المدينية القوة المحركة الرئيسية للثورة، فعلى ممثليها، في حال انتصار الثورة، أن يمارسوا تأثیر راجح داخل الحكومة المؤقتة. ما من طبقة اجتماعية توافق على تحمل كل تكاليف الثورة لتتخلى فيها بعد عن ثمار النصر، وقد عجزت الانتقادات عن الاجابة عن هذه الحجة إجابة فعالة. إلا أن المناشفة والبلاشفة طرحوا سؤالين ملائمين: كيف التوفيق بين هذا الاستنتاج وطابع الثورة البورجوازي؟ وكيف نتصور حكومة الأقلية البروليتارية دون التخلي عن مبدأ الحكومة الديمقراطية التمثيلية، وهو ما لم يكن أي من المحاورين يريد فعله؟ هذان السؤالان لم يجب عنهما آنذاك بارفوس، ولا تروتسكي.

وفي كانون الثاني/ يناير 1905 بدأ تروتسكي يكتب لدي بارفوس سلسلة من الدراسات التي ظهرت فيما بعد بعنوان: «بعد انتفاضة بطرسبورغ». هذه السلسلة كانت تتألف من قطع متباينة: هجمات تهكمية جديدة على الليبراليين، مقاطع تفيض حماساً لتحية الثورة. وفي تلك المجادلات ضد الليبراليين ذكر تروتسكي بأن ستروفه أعلن قبل يومين من مظاهرة بطرسبورغ «أنه ما من شعب ثوري في روسيا». ويقول تروتسكي: “هذا الكلام ينبغي حفره على جبين السيد ستروفه، والشعارات والأفكار الاشتراكية، والليبرالية، وغيرها” (2). وختم تروتسكي هكذا : “أن نضالنا من أجل الثورة، وإعدادنا للثورة، سوف يتماشيان مع نضالنا الذي لا هوادة فيه ضد الليبرالية من أجل التأثير على الجماهير، من أجل دور البروليتاريا القيادي….”

أما مضمون المقاطع التي كان يحيي الثورة فيها فيظهر بوضوح في السطور الآتية:

“أجل لقد وصلت، وكنا ننتظرها. لم نشك بمجيئها. منذ سنوات، لم تكن غير استنتاج خاص بـ “مذهبنا”، كان يسخر منه التافهون من كل المشارب السياسية … ومع موجتها الأولى، أهاجت المجتمع .. قبل التاسع من كانون الثاني/ يناير، كانت مطالبتنا بالجمهورية تبدو خيالية، نظرية، وكانت تثير نفور كل الأحبار الليبراليين. ولقد كفى يوم ثورة واحد. کفی احتكاك رائع واحد بين القيصر والشعب لتصبح فكرة الملكية الدستورية خيالية، ونظرية، ومنفرة. لقد هب الكاهن غابون حاملا فكرته عن الملك ضد الملك الحقيقي. لكن لما لم يكن وراءه ملكيون ليبراليون بل ثوريون بروليتاريون، أظهر هذا «التمرد» المحدود فورا مضمونه الانتفاضي في معركة المتاريس، وفي صيحة: فليسقط القيصر! الملك الحقيقي دمر فكرة الملك.. جاءت الثورة ووضعت حدا لطفولتنا السياسية”(3).

حينذاك تأخذ مشكلات التقنية الثورية “أهمية عظيمة”. “لقد برهن عمال بطرسبورغ عن بطولة كبرى، إلا أن بطولة الجمهور العزلاء تعجز عن مجابهة حماية الثكنات المسلحة”. من الآن وصاعدا، لن تؤدي جهود مبعثرة إلى شيء، يجب أن تبلغ الحركة أوجها بانتفاضة عامة في كل انحاء روسيا. على الثورة أن تتسلح. أن البعض يؤكد أن لا أمل لثائرين بالانتصار على حكومة مجهزة بأسلحة حديثة. كان كاتب انجليزي، مثلا، يعتقد أنه لو كان تحت تصرف لويس السادس عشر بعض الرشاشات لما تمت الثورة الفرنسية. ويقول تروتسكي: «أي ادعاء عابث يكمن في الرغبة بقياس الحظوظ التاريخية لإحدى الثورات مقياس أسلحتها ومدافعها، كما لو كانت الأسلحة والمدافع تقود الناس، وكما لو لم يكن الناس هم الذين يستخدمون الأسلحة والمدافع»(4) كان تروتسكي يعترف بأن العمال لا يستطيعون لوحدهم، حتى لو كانوا مسلحين، أن ينتصروا في انتفاضة، وبأن عليهم كسب الجيش إلى جانبهم. لكن للوصول إلى ذلك، عليهم أن يتسلحوا هم في البدء ويؤثروا بتصميمهم على جنود القيصر المترددين. وقد فصل تروتسكي هذه الفكرة في صفحات تعلم العمال في جزء منها كيف يتسلحون وتصف في الجزء الآخر السيرورة التي ستنتقل بموجبها قوات القيصر الى صفوف الثورة. هذه المشاهد المتصوّرة مسبقاً تشبه كذلك قصص الثورة التي كتبها تروتسكي بعد حدوثها. لقد اختتم هذا الأخير کراسه بنداء الى رفاقه ذي أسلوب دانتوني (*): لتكونوا على مستوى الوضع، تحتاجون فقط إلى «بعض الصفات البسيطة للغاية: التخلي عن روتين التنظيمات والتقاليد البائسة لحركة سرية، سعة النظر، المبادرة الشجاعة، القدرة على تقدير الأوضاع ومرة أخرى، المبادرة الشجاعة».

يمكننا أن نحس أيضاً، لدى قراءة هذه السطور، بالحمى التي كانت تلهب کاتبها. كان متلهفة للعودة إلى روسيا والغوص في الزوبعة. كفاه الهواء الفاسد في جاليات المهاجرين حيث كان يتخاصم مع الجميع تقريبا. كفاه المنفى الذي يستطيع المرء أن يتابع منه بشكل مرتبك مسار الثورة، مثلا يراقب عاصفة في عرض البحر من شاطىء بعيد. إلا أن العودة إلى روسيا كانت تنطوي على مخاطر کبری. فالفار من سيبيريا إذا سقط مجددا في قبضة رجال الشرطة، يعامل على الفور کخارج على القانون ويرسل إلى الأشغال الشاقة حتى لو لم يصدر عليه حكم بذلك من قبل، إلا أن تروتسکی قرر العودة إلى روسيا. وقد سبقته سیدوفا لتعد له مضافات سرية. وفي شباط / فبراير۱۹۰۰ بدأ تروتسكي رحلة العودة. توقف في فيينا ليرى فيكتور أدلر، القائد النمساوي الذي تخلص عنده من شاربيه ولحيته ليجعل من الصعب تعرف الشرطة الروسية اليه.

كان بحث لدى أدلر في البدء عن المساعدة حين هرب من سيبيريا وحاول بلوغ انكلترا ولم يكن مر على ذلك أكثر من عامين ونصف، لكنهما عامان ممتلئان تماماً، يحفلان بالبشائر والنُذُر.

_________________
(1) لينين ، سوش ، الجزء ۸، ص ۲6۲ – ۲6۳.
(2) سوش، الجزء ۲، الكتاب ۱، ص ۵۷ وما بعدها.
(3) الاستشهاد المذكور.
(4) المرجع المذكور، ص 60.
(*) نسبة الى دانتون، احد قادة الثورة الفرنسية (م).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 3 (30)