Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 3 (30)

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 3 (30)

لم تكن خلافاته مع المناشفة قد سوّيت حقاً، وقد زادت الطين بلة الاخبار التي وصلت آنذاك من روسيا. فالحرب الروسية – اليابانية كانت تتحول إلى كارثة بالنسبة لروسيا، وشرعت تظهر شقوق في بناء القيصرية. وفي تموز / يوليو، اغتال سازونوف، وهو اشتراكي ثوري (1)، “بليهفي” وزير القيصر وملهم السياسة الروسية في الشرق الأقصی. كان “بليهفي” حظر الزمستفوات وحلّها، وكانت تشكل المواقع القوية الخاصة بالنبلاء الصغار الليبراليين وشبه الليبراليين. ولتهدئة المعارضة، خول سفاتو بولك – میروسکي الزمستفوات حق عقد مؤتمر قومي في تشرين الثاني / نوفمبر 1904. وأعقبت المؤتمر حملة مآدب سياسية في العديد من المدن. خلال تلك المآدب، عرض القادة الليبراليون للنبلاء الصغار والبورجوازية مطالبهم، لكن ظهر إلى جانبهم، للمرة الأولى، عمال وأعضاء في المنظمة الاشتراكية السرية. وقد أظهرت المآدب أن هناك إجماعاً ضد الحكومة، لكن كذلك أن المعارضة كانت عميقة الانقسام. وكان العمال يشتبهون بأن الخطباء الليبراليين لا يريدون إطاحة القيصر، بل عقد صفقة معه.

وفي اوروبا الغربية، تابع المهاجرون باهتمام مفعم بالأمل جملة المآدب التي امتدت حتى نهاية العام. وقد أجبرت الأحداث الاشتراكيين على أن يحددوا موقفهم من الليبرالية بوضوح. ذلك أن الانقسام بين الاشتراكيين والليبراليين كان قائما أيضا في حلقات المهاجرين. ومنذ عام ۱۹۰۲، كان بيير ستروفه يصدر جريدته الأوسفوبوجدني (التحریر) في شتوتغارت أولا، ثم في باريس. وقد دافعت الجريدة في البدء عن “الماركسية الشرعية”، وهي نسخة محلاة من الماركسية كانت تلح بوجه خاص على الإدانة الماركسية للإرهاب النارودني وللاشتراكية الزراعية، وتؤكد ان التصنيع الرأسمالي سيحمل التقدم الاجتماعي الى روسيا. ولم تكن الايسكرا القديمة والاوسفوبوجدني قد تجابهتا بعد بشكل مکشوف. ولكنه سرعان ما غدا واضحا أن مجموعة ستروفه كانت تستخدم الحاجة الماركسية لإسقاط أحد الاتجاهات الاشتراكية، الاتجاه الزراعي، وليس للدفاع عن الاشتراكية البروليتارية اطلاقا. كانت اوسفوبوجدني تتطور من “الماركسية الشرعية” نحو الليبرالية، وغدا ذلك التطور ملموسة جدا في الوقت الذي كان يحتدم فيه بالضبط انقسام الاشتراكيين. كان المناشفة يميلون نحو الليبراليين، والبلاشفة ضدهم. وحول هذه النقطة غضب تروتسكي مجدداً، في خريف 1904، من المناشفة (2).

في تشرين الثاني / نوفمبر وكانون الأول / ديسمبر، كتب كراسة حول المشكلات التي أثارتها حملة المآدب وحوله إلى الناشرين المناشفة. وقد تردد هؤلاء وأجّلوا نشره. ويعتقد تروتسکي أنهم كانوا ينوون دفنه في طيات النسيان. لكن يصعب تصديق تروتسكي، إذ نشره المناشفة في نهاية المطاف، وكان الكراس يضم نقدا لاذعاً جدا وعنيفاً جدا لليبراليين بحيث لم يكن يمكن إلا أن يثير تحفظات لدى أناس كانوا بدأوا يعتبرون أن المستقبل لعمل مشترك بين الليبراليين والاشتراكيين ضد القيصر. وكان مدار محاجة تروتسكي أن الليبراليين، الذين ترعبهم الثورة أكثر مما يرعبهم القيصر، عاجزون عن خوض غمار عمل من هذا النوع (3).

هاجم في البدء الوطنية المنافقة والمؤثرة التي أبداها الليبراليون خلال الحرب الروسية – اليابانية. كتب يقول ان ستروفه «يضحي بآخر بقايا روح المعارضة لديه وبكرامته السياسية، لا على مذبح «الشعور الوطني»، بل على مذبح الرياء الوطني»(4). وعلى اثر الهزائم العسكرية التي منيت بها القيصرية، وجدت نفسها في مأزق. وعلى المعارضة أن تكشف الهوة العميقة التي تفصل القيصرية عن الأمة …. بالمزيد من الاندفاع والقوة. وعليها أن تعمل، بالمزيد من الحزم، لدفع القيصرية، عدو الأمة الحقيقي، إلى الهوة. عوضا عن ذلك، يربط الزمستفو الليبرالي نفسه إلى عربة الحرب المهتزة، ويرفع الجثث ويمحو آثار الدم. ويصلي الليبراليون، في اعماق قلوبهم، من أجل هزيمة القيصر التي يمكن أن تؤدي بهم إلى ملاقاة المعارضة عند منتصف الطريق. لكن ماذا تفعل الصحافة الليبرالية؟ هذه الصحافة الليبرالية البائسة، والمتمتمة، والماهرة، والكذابة، والمختلقة للأعذار والفاسدة والمفسدة؟….. لما كانت لا تصدق الكلام الذي تتفوه به وتخفي بدل رغبتها في دمار القيصر، (فهي تتحدث عن) مليكنا وحربنا. «لقد كانت المعارضة الليبرالية تسعى وراء «استحقاق عرفان الحكم المطلق بالجميل وثقته، وراء صيرورتها ضرورية له، وشرائه في الاخير بمال الشعب، وهو تكتيك قدیم قدم الليبرالية الروسية، تكتيك لم يصبح أكثر نباهة، ولا أكثر جدارة مع توالي السنين»(5). لقد دشّن الوزير الجديد، الأمير سفاتوبولك – میرسکی عهد تنازلات مزيفة بتعبيره («بحماقة ووقاحة») عن ثقة حكومته بالشعب، “کما لو كانت المسألة مسألة معرفة إذا كانت الوزارة تثق بالشعب، لا إذا كان الشعب يثق بالوزارة “. وتابع تروتسکی معتبرا أن ذلك كان كافياً لكي تستبعد الزمستفوات من مطالبها الاقتراع العام والحكومة الدستورية. كانت تخاف هذه الكلمة الغريبة: «الدستور»، و«خلف الخوف من الكلمة يختفي الخوف من الشيء» … «من يود أن تفهمه الجماهير وتصطف إلى جانبه عليه قبل كل شيء أن يصوغ مطالبه بوضوح، ويسمي الأشياء بأسمائها، فيسمي الدستور دستوراً، والجمهورية جمهورية، والاقتراع العام اقتراع عام (6). وقد كان الليبراليون يعيدون إلى الحكام والمحكومين، من دون أن يلاحظوا ذلك، ثقتهم بمستقبل.
الحكم المطلق، وذلك من جراء حيائهم وجبنهم. كانوا يزعمون أنهم حزب الديمقراطية، لكنهم كانوا يخونون مبادئهم الخاصة بهم، وليس لدينا تقاليد ديمقراطية، وينبغي خلقها. الثورة وحدها تستطيع انجاز هذه المهمة. ولا يمكن لحزب الديمقراطية إلا أن يكون حزب الثورة (7). لا الانتلليجنسيا الليبرالية، ولا الطبقات البورجوازية هي التي ستوجه ضربة حاسمة للقيصرية، بل الشغيلة الصناعيون الاشتراكيون.

والكراس بمجمله يهتز بالشعور المسبق الظافر بأن الثورة وشيكة. «يتظاهر محامون في الشوارع، ويحتج المنفيون السياسيون في الصحف على نفيهم … يطلق ضابط من البحرية حملة علنية ضد وزارة البحرية … يصير ما لا يصدق حقيقة، ويغدو المستحيل مرجحاً» (8). ويصعب أن نجد في كتابات مهاجر آخر حدساً بهذا الوضوح بالأحداث التي كانت تقترب. فالمهاجرون الآخرون كانوا غارقين في صراعاتهم الداخلية، ومنشغلين بعضهم بالمناورة بمواجهة البعض الآخر، بهدف أن يؤمنوا لحزبهم الوضع الأكثر ملاءمة في الثورة، إلى درجة أنهم اخطأوا تقريباً قدوم الثورة. أما تروتسكي الذي كان يقف على حدة، لوحده، فقد ركز كل انتباهه على الوضع في روسيا. ويقول لونا تشارسكي انه كان مهاجراً أقل من سائر الاشتراكيين الذين فقدوا، بدرجات متفاوتة، صلتهم ببلادهم (9). وكان اصدقاؤه، المتشككون، يهزون اكتافهم وهم يصغون إليه يتنبأ، مزهوا، بانتفاضة، أو يذم الليبراليين.

كان تروتسكي يعتقد أن الثورة ستبدأ بإضراب عام. وكانت تلك فكرة جديدة: فنزاعات العمل في روسيا كانت قد بقيت حتى ذلك الحين محلية، وحتى أمم الغرب الصناعية ونقاباتها القديمة لم تكن خبرت فعليا، في يوم من الأيام، الاضراب العام. ويقول تروتسكي في حياتي أنه تصور هذه الفرضية منذ عام 1903، لكنه لم يتبنها نهائيا إلا عام 1904 (10). وقد وضع حينذاك «خطة عمل» لخّصها كالتالي:

“انتزاع العمال من آلاتهم ومشاغلهم، جعلهم يجتازون باب المصنع وقيادتهم إلى الشارع، توجيههم إلى المصانع المجاورة ليدعوا فيها إلى وقف العمل وجر جماهير جديدة إلى الشارع. هكذا، عن طريق الذهاب من مصنع إلى مصنع، ومن مشغل إلى مشغل، وبتضخيم صفوفكم فيها أنتم تتقدمون، وتكنيس كل حواجز الشرطة، وبوعظ المارة وجذبهم، وبامتصاص الجماعات التي تأتي في الاتجاه المعاكس، وملء الشوارع، وباحتلال المباني الأولى الصالحة كأمكنة اجتماعات، وبتحصنكم في تلك المباني، وبعقد لقاء ثوري تحملون النظام إلى حركة الجماهير، وتضاعفون ثقتها، وتفسرون لها هدف الأحداث ومعناها. هكذا سوف تنجحون في تحويل المدينة إلى معسكر ثوري. هذه هي خطة العمل، بشكل اجمالي»(11).

ذلك وصف الثورة كما ستحدث في تشرين الأول أكتوبر ۱۹۰۰ وفي شباط / فبراير ۱۹۱۷. ولم تكن «خطة العمل» تستلهم أي نموذج سابق: كان عنصر البروليتاريا الصناعية غائباً عن الثورة الفرنسية. وهذا الوصف كان ينبثق من خيال ثوري وقاد، حيث تمتزج الرومانسية بالواقعية بشكل وثيق. وبعض مقاطع هذا الكراس تبدو كما لو كانت الأحداث بصيغة المستقبل، حتى الشعارات هي تلك التي ستدوي عام ۱۹۰۵ وعام ۱۹۱۷: «وقف الحرب» و«الدعوة إلى جمعية تأسيسية» (12).

ثم استعرض تروتسكي في الأخير القوى الاجتماعية التي ستشارك في العمل. سوف تكون المدينة المسرح الرئيسي للأحداث الثورية (13). إلا أن البروليتاريا المدينية لن تقرر لوحدها النهاية. إذ تمثل طبقة الفلاحين “مستودعاً مهماً للطاقة الثورية”(14). يجب «نقل التحريض الى الريف، من دون تفويت يوم أو فرصة واحدة» (15). وعوضاً عن دعوة البروليتاريا المدينية – كما سيأخذ عليه البعض فيما بعد. لمهاجمة القيصرية لوحدها ومواجهة الهزيمة بهذه الطريقة، أصر تروتسکی بشدة على مخاطر الانعزال التي كانت تهدد الطبقة العاملة (16). حلل دور الجيش، المؤلف من فلاحين، وشجع الاشتراكيين على أن يلاحظوا بجدية ما يحدث في الثكنات، وحين كان يؤمر الجنود بإطلاق النار على الجمهور، كان هؤلاء يفضلون توجيه بنادقهم إلى الهواء. وكانت معنويات الجيش تنهار:

«مراكبنا بطيئة. ومدافعنا لا تصل قذائفها إلى البعيد. جنودنا أمّيون. وضباط الصف من دون خارطة أو بوصلة. ليس لجنودنا أحذية، إنهم عراة وجائعون. صليبنا الأحمر يسرق، وإدارتنا تسرق. وكل هذا معروف في الجيش، يقبل عليه الجميع بشراهة. كل إشاعة تأكل كالحامض صدأ التلقين الرسمي. ثمة حاجة لسنوات من دعاوتنا السلمية للحصول على النتيجة ذاتها التي تحدثها سنة واحدة من الحرب.

في اليوم الحاسم لن يتمكن الضباط من الثقة بالجنود.. فهذا الجندي ذاته الذي كان يطلق البارحة النار في الهواء، سيقدم- سلاحه للعامل في الغد، سوف يفعل ذلك مذ يتأكد من أن الشعب لم يخرج إلى الشارع لهدف واحد هو احداث هياج، وأن الشعب يعرف ما يريد وأنه قادر على القتال لأجل ما يريد.. علينا القيام بأكثف التحريض بين القوات، بحيث عندما تأتي لحظة الاضراب (العام) يعرف كل جندي أرسل لسحق «العصاة» أن في مقابله الشعب الذي يطالب بدعوة الجمعية التأسيسية» (17).

___________

(1) شارك آزيف، العميل الاستفزازي الذي استخدمه بليهفي لأجل تفكيك التنظيم الارهابي السري، في إعداد الاغتيال.
(2) مارتوف، ایستوریاروم. سوتس. دیم. ص۱۰۲، تروتسكي، حياتي، الفصل ۸.
(3) کراس دو ۹ بانفارا (حتى 9 كانون الثاني / يناير) موجود أيضا في سوش. الجزء ۲، الكتاب ۲.
(4) تروتسکی، سوش. الجزء ۲، الكتاب ۱، ص 6.
(5) المرجع المذكور، ص ۹.
(6) المرجع المذكور، ص 15.
(7) المرجع المذكور، ص ۳۰.
(8) المرجع المذكور، ص ۳.
(9). لوناتشارسکی، ريفولوتسيوني سيلويتي، ص ۲۰ – ۲۰.
(10) تروتسكي، حياتي، الجزء الأول، الفصل ۱۳، سوش، الجزء ۲، الكتاب ۱، ص۰۲۱
(11) تروتسکی، سوش، الجزء ۲، الكتاب ۱، ص ۵۱.
(12) المرجع المرجع ذاته، هنا وهناك.
(13) المرجع المذكور، ص ۵۰.
(14) المرجع المذكور، ص ۲۰ وهنا وهناك.
(15) المرجع المذكور، ص ۵۲.
(16) المرجع المذكور، ص 46.
(17) تروتسكي، سوش، الجزء ۲، الكتاب ۱، ص ۵۰.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 2 (29)