Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 2 (29)

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 2 (29)

بعد اندلاع الحرب الروسية – اليابانية، نشر بارفوس في الايسكرا سلسلة من الدراسات حول «الحرب والثورة» (1). قبل ذلك بكثير، كانت مقالاته، التي وقعها عادة باسم مولوتوف، هزت تروتسكي بشدة. الا أن الأفكار المعروضة في «الحرب والثورة» هي التي تركت بوجه خاص، تأثيرها الأطول مدى في نفس تروتسكي.

كانت الفكرة المركزية لدي بارفوس هي أن الدولة القومية، كما نمت وتطورت مع الرأسمالية، لم تعد تفعل غير الاستمرار من دون مبرر. وكانت هذه الفكرة موضوعة تقليدية من موضوعات الماركسية، عرضها مارکس، من قبل، في البيان الشيوعي. لكن بالنسبة للكثير من الكتاب الاشتراكيين في بداية القرن، كانت تأكيداً للمعلم يصلح لترداده خلال الاحتفالات بالعيد السنوي، إلا أنه ليس له أكثر من علاقات بعيدة بواقع أوروبا الفيكتورية والقومية والامبراطورية. كانوا يرون أن اختفاء الدولة القومية لن يتم إلا في مستقبل بعيد جداً. أما بارفوس فكان يؤكد، على العكس، أن الدولة القومية على وشك الزوال، وكان يشير إلى علامات ذلك ويتنبأ بالتسارع الكارثي لتلك السيرورة ويحرض الاشتراكيين على إعادة النظر في مواقفهم وسياستهم بالتوافق مع الوضع الجديد. كان يولي أهمية غير معتادة لتداخل الأمم والدول، وهو ما يعطي لتحليلاته منظوراً واسعاً، وعالمياً ونادراً لدى الاشتراكيين الآخرين. ولقد رأى في النزاع الروسي الياباني لعام 1904 بداية سلسلة طويلة من الحروب سوف تقاتل فيها الدول القومية، المنجرفة في المنافسة الرأسمالية، من أجل البقاء على قيد الحياة. سوف تتشابك مصائر القارات. ولقد جعل فتح الغرب الأميركي التنافس بين المنتجين الزراعيين من أجل غزو الأسواق العالمية أكثر حدة واحتداماً. وكانت المصالح الزراعية والصناعية الأوروبية، ولا سيما الألمانية، تتضافر للتخلص من حرية التجارة وفرض مذهب الحماية protectionnisme على اوروبا الغربية. “أصبحت الجدران الجمركية حاجزاً اقتصادياً، دون السيرورة التاريخية المتمثلة بالتوحيد الثقافي للأمم؛ ولقد ضاعفت النزاعات بين الدول … وعززت سلطة الدول والحكومات … وكلما كانت سلطة الحكومات أقوى كلما لجأت الدول بصورة أسهل إلى السلاح”. هذه الأفكار غدت بالنسبة لتروتسكي مبادئ دافع عنها طيلة حياته.

وكان بارفوس يؤكد أن التوسع الروسي في آسيا والنزاع مع اليابان هما جزئياً نتيجة ضغوط داخلية: كانت القيصرية تبحث في غزو خارجي عن وسيلة للتخلص من صعوباتها الداخلية، إلا أن الضغوط الخارجية على روسيا كانت أعظم أهمية. وفي الصراع العالمي بين الدول القومية الرأسمالية، كانت القوى العظمى الحديثة، وحدها، قادرة على العمل باستقلال تام. حتى امبراطورية باتساع امبراطورية القيصر لم تكن غير «متقاضية معاش من البورصة الفرنسية»، «بسبب تأخرها الصناعي». «اندلعت الحرب بصدد منشوريا وكوريا، إلا أنها تحولت الى صراع من أجل السيطرة في آسيا الشرقية. وفي الطور اللاحق سيكون في الميزان كل موقع روسيا في العالم، وسوف تؤدي نهاية الحرب الى توازن سياسي جديد في العالم».

وأنهى بارفوس تحليله بالشكل التالي: “ان السيرورة العالمية للتطور الرأسمالي تقود إلى هزة سياسية في روسيا، ستكون لها، بالضرورة، انعكاسات على التطور السياسي في كل البلدان الرأسمالية. وسوف تهز الثورة الروسية العالم البورجوازي … ويمكن للبروليتاريا الروسية أن تلعب دور طليعة الثورة الاجتماعية” (2).

هكذا منذ عام 1904، كان بارفوس لا يعتبر الثورة الروسية المقتربة قضية روسية خالصة، بل انعكاسا في روسيا للتوترات الاجتماعية العالمية، والهزة الروسية القادمة كانت بالنسبة إليه مقدمة الثورة العالمية. وهذه هي العناصر الرئيسية لنظرية الثورة الدائمة. إلا أن بارفوس كان لم يتكلم بعد إلا على «هزة سياسية، في روسيا، لا على ثورة واجتماعية»، أو اشتراكية. كان يفكر في الظاهر، مثل كل ماركسيي ذلك الزمان، بأن الثورة الروسية ستكون ثورة بورجوازية في الجوهر، بسبب طابع البلد المتأخر وشبه الاقطاعي. وسيكون تروتسكي أول من يقول أن الثورة، تدفعها انطلاقتها الخاصة، ستنتقل من الطور البورجوازي إلى الطور الاشتراكي، وسترسي في روسيا ديكتاتورية البروليتاريا، قبل قيام الثورة في الغرب بزمن طويل..

ان الافكار الأممية والمنظورات الثورية لدي بارفوس أصبحت إذاً موضوعات الفكر التروتسكي الأساسية. لكن ثمة كذلك بعض المفاهيم التروتسكية المتعلقة بالتاريخ الروسي، لا سيما حول الدولة الروسية، نجد مصدرها لدي بارفوس (3). فبارفوس يرى أن الدولة الروسية، التي تمثل تقاطع الاستبدادية الآسيوية والحكم المطلق الأوروبي، لم تتأسس كأداة لطبقة محددة في المجتمع الروسي، بل كآلة بيروقراطية عسكرية معدة بشكل رئيسي لمقاومة ضغط الغرب الأكثر تمدن (4). ضمن هذا الهدف بالذات ادخلت القيصرية بعض عناصر الحضارة الأوروبية إلى روسيا، لا سيما إلى الجيش. “هكذا ولد جهاز الدولة الروسي: حكم مطلق آسيوي يستند الى جيش من النموذج الأوروبي”.  وهو يقول انه يكفي القاء نظرة على خط القلاع على امتداد الحدود الروسية لرؤية أن القياصرة سعوا لفصل روسيا عن الغرب بنوع من السور الصيني. وبعض هذه الأطروحات، کما راجعها تروتسكي وطورها، ستغدو بعد عشرين عاما موضوع خصومات سياسية وتاريخية حامية.

وتأثير بارفوس على تروتسكي واضح أيضا في أسلوب هذا الأخير، وفي طريقة عرضه لأفكاره، وخصوصا في حس التوقع التاريخي لديه. هذا لا يعني أن تروتسكي قلد بارفوس على المستوى الأدبي. كل ما هنالك انه لم يقاوم تأثيره الذي سمح له تآلفه الثقافي والأدبي مع بارفوس بتمثله، وهو تآلف لا تحد منه الاختلافات في الطبع والمزاج.

*                *              *

خلال إقامة تروتسكي الأولى في ميونيخ، حوالي نهاية أيلول/ سبتمبر 1904، أعلن قطيعته مع المناشفة في “رسالة مفتوحة إلى الرفاق” بعث بها إلى الايسکرا. هذه الرسالة لم تنشر أبداً. ولا نمتلك منها غير الملخص الذي أعطاه عنها المناشفة، ويقول هذا الملخص أن تروتسكي اعتمد «لهجة متعالية ومزدرية» في صياغة عدد من الاتهامات ضد: “بعض الرفاق”، ورفع مطالب متنوعة. أما جوهر تلك الاتهامات فهو أن المناشفة كانوا يميلون إلى تقديم مصالح تكتلهم على مصالح الحزب. وتابع يقول أن المناشفة يردون بقوة على اتجاه مهم لدى لينين: ففي حين يميل لينين لإعطاء الانتليجنسيا مكانة متميزة، وراجحة، داخل الحزب، يثير المناشفة العمال ضد الانتليجنسيا الاشتراكية. وقد شرح تروتسكي في رسالة خاصة إلى مارتوف وزاسولیتش كيف أن انتقاداته تستهدف بوجه خاص تيودور دان، نصير الاعتدال، وكيف كان ينوي إعطاء الحزب «مرکزة ثابتة» وتسهيل التقارب مع اللجنة المركزية البلشفية. وكان يشكو أيضا من أن الكتاب “الذين لم يكن في وسعهم الاندماج بالايسكرا” – وهذا تلميح إلى إقصاء بليخانوف له – كان يستحيل وصولهم إلى القراء الاشتراكيين. وفي الأخير أعلن انسحابه رسمياً من التكتل المنشفي (5).

رد المناشفة بغضب الناس المرتبكين. تبادل تروتسكي ومارتوف “رسائل عاصفة جدا”. کتب مارتوف يقول: «لو لم أكبح جماح تروتسكي، لكانت انتهت القضية بقطع كامل العلاقات بيننا». وكان مارتوف ومناشفة آخرون يودون تلافي القطيعة، لأنه إذا انتقلت إلى العلن الانتقادات التي صاغها ضدهم أكثر محاجيهم المناهضين للبلشفية جسارة، يمكن أن تضر بتكتلهم كثيراً. تم تنظيم اجتماع سري في جنيف لمناقشة تروتسكي حول رسالته المفتوحة. وتم الاعتراف رسميا بأن وجود منشفية مهاجرة “يمكن أن يغدو مصدراً لنزاعات جديدة في الحزب”، وبأنه ينبغي حل تلك المنظمة بانتظار معلومات جديدة من المجموعات المنشفية في روسيا (6).

ومن الواضح أن هذا القرار كان يستهدف تطييب خاطر تروتسكي وجعله يخلد إلى الهدوء. إلا أن ذلك لم يستتبع أي أثر: بقي التكتل المنشفي، “الحزب داخل الحزب”، مثله مثل التكتل البلشفي، كما كانت حاله سابقا. وتعزی تروتسكي – وهو واهم جدا – حين فكر بأن المناشفة تبعوا نصائحه. إلا أن القرار الرسمي المتعلق بحل المنظمة المنشفية كانت له على الأقل نتيجة متمثلة بتحرير تروتسكي من الانضباط التنظيمي الذي كان تقيد به حتى ذلك الحين. وقد اعلم مارتوف أكسلرود بعد ذلك بقليل بأن تروتسکی «هدأ» أخيراً، و “لان” وعاد یکتب إلى الايسكرا. هكذا ظهر اول مقال لتروتسکی، منذ خصامه مع بليخانوف، ظهر في الجريدة بعد ذلك بوقت قصير (7).. وكالمعتاد، كانت الأحقاد الشخصية والادعاءات والأسباب السياسية تتشابك الى حد استحالة تمييز بعضها من البعض الآخر. ولا نعرف إذا كان تروتسكي هدأ لأن المناشفة بدوا وكأنهم خضعوا لرأيه في مسألة مبدئية، أو لأنهم قدموا له نوعا من التعويض عن حادثته مع بليخانوف، أو للسببين معا. لم يعد الآن أحد مدراء الايسكرا السياسيين وأحد محرريها، كان يساهم فقط في تحرير دفتر المذكرات السياسي، الذي كان يظهر في احدى الصفحات الأخيرة. إلا أن الايسكرا كانت لا تزال جريدة القتال المنشفية، وكان الأجانب لا يزالون ينظرون إلى تروتسكي كمنشفي.

_____________

(1) بدأ نشرها في الأيسكرا، العدد ۵۹، ۱۰ شباط / فبراير ۱۹۰4.
(2) الايسكرا، العدد ۸۲، أول كانون الثاني/ يناير ه ۱۹۰، کتب بارفوس في الدراسة ذاتها: “ينبغي الوصول إلى هذه الخلاصة الغريبة التي تقول أن العامل الذاتي الأكثر حسماً في التطور التاريخي ليس الحكمة، بل البلاهة السياسية. فالناس لم يكونوا يوما قادرين على الاستفادة كليا من الشروط الاجتماعية التي خلقوها. يتخيلون دائما أنهم يسبقون السيرورة التاريخية الموضوعية كثيراً، بينما هم خلفها بأشواط بعيدة … وغالبا ما قاد التاريخ اولئك الذين اعتقدوا انهم يستطيعون إفشاله من طرف أنوفهم.. وأصبح النظام الاقتصادي في أوروبا حائلا منذ زمن بعيد دون تطور أوروبا الثقافي والسياسي والاقتصادي. لا يبقى على قيد الحياة إلا أن الجماهير لم تصبح بعد واعية بما فيه الكفاية لشرطها المأساوي. ان طاقة البروليتاريا السياسية غير مركزة كفاية، وينقص الأحزاب الاشتراكية التصميم والشجاعة. ولا يستحيل أن نتخيل أخذ الأحداث مساراً يصبح الحزب الاشتراكي – الديمقراطي معه مسؤولا سياسيا عن بقاء النظام الرأسمالي … هذه الفرضية كانت عجيبة جداً، بالنسبة للمعاصرين.
(3) ان مصدر ملاحظات بارفوس وتروتسكي بصدد التاريخ الروسي يكمن، مع ذلك، جزئيا، في كتابات المؤرخ الليبرالي ب. میلیوکوف.
(4) الايسكرا، العدد ۱۱، آذار/ مارس ۱۹۰4.
(5) بیسا اکسلر ودا ای مارتوف، ص ۱۱۰ – ۱۱۱.
(6) المرجع ذاته.
(7) الايسكرا، العدد ۷۰، 5 تشرين الأول/ أوکتوبر 1904. ( الاسهام الوحيد الذي ظهر لتروتسكي في غضون ذلك ظهر في ورقة نقاش، نشرت في حزيران / يونيو، کملحق للايسكرا).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 1 (28)