Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 1 (28)
نظرية - 2020-07-24

النبي المسلّح: الفصل الرابع – تعاون فكري جـ 1 (28)

 

في الفترة التي ظهرت فيها مهماتنا السياسية، في آب/ اغسطس 1954، كان الوضع داخل الحزب مختلفاً جدا عما كان عليه في السنة السابقة، غداة الانشقاق. لم تكفّ الايسكرا المنشفية عن مضايقة لينين الذي بقي لمدة من الزمن غير قادر على الرد على الهجمات: فجريدته، الفبر يود، لم تتمكن من الظهور إلا بعد مرور ستة أشهر. كان بليخانوف يهزأ من حليفه سابقا، مقتنعاً أنه أفسد سمعته إلى الأبد. فأولياء الاشتراكية الأوروبية، والالمانية بوجه خاص، الذين كانوا يعرفون بليخانوف منذ زمن بعيد ويحترمونه، انضموا إليه في جوقة واحدة ضد لينين الذي اعتبروه دخيلا غرّاً وغامضاً. حتى اللجنة المركزية البلشفية ذاتها كانت تتعامل مع المناشفة دون الاهتمام بالموقف الذي يتخذه لينين. إلا أنه حين ظهرت مقالة تروتسكي الهجائية، جمع لينين في سويسرا البلاشفة المستعدين للحاق به وعرض عليهم خطة للدعوة الى مؤتمر جديد، بمشاركة المناشفة أو من دون مشاركتهم.

بدا أن الأحداث تخطت مقالة تروتسكي: فلقد تبدد العدو قبل أن يتمكن من تلقي صدمة الهجوم. وأضاف تروتسکی، بالتالي، مقدمة لمهامنا السياسية، كتب فيها أن ازمة الحزب قد انتهت وأن في وسع أنصار الوحدة النظر الى المستقبل بثقة، لأن المتطرفين، أكانوا لدى البلاشفة أو لدى المناشفة، فقدوا حظوتهم وتم عزلهم. إن رجل سياسة أكثر تجربة أو أكثر انتباها إلى الأثر الجارح الذي يحدثه كلامه، كان امتنع، بالمناسبة، عن نشر الأهجوة، أو كان أسقط منها على الأقل الشطط والاسراف الجداليين. إلا أن تروتسكي كان مأخوذ بكلماته الى الحد الذي يحول بينه وبين ذلك. بيد أنه حاول في المقدمة أن يأخذ الوضع الجديد بالحسبان: فلقد حض المناشفة على حل منظمتهم المنفصلة، ذلك الحزب داخل الحزب، الذي كان هو أحد قادته السريين. كتب بأبهة أن على المناشفة أن يقبلوا «الموت التنظيمي»، أي اندماج المجموعتين المتعارضتين حتى ذلك الحين (1). إلا أن نداءه لم يحظ بالاستجابة، والانشقاق بدأ يتبلور ويتركز. فـ «المتعصبون» في المجموعتين كانوا ينشطون، فمجموعة لينين في صفوف البلاشفة كانت تعتبر التبدلات الطارئة منذ المؤتمر اغتصابات منشفية على المؤتمر الجديد أن يضع حدا لها. والمناشفة الذين استعادوا مواقع قوة لم يكونوا ينوون المخاطرة بخسارتها في مؤتمر جديد، ولا حتى تقاسمها مع خصومهم، وهو ما كان يمكن أن يحدث في حال الاندماج. وبعد أن وصف تروتسكي لينين بـ «مفسد التنظيم»، مرفقة هذا الوصف بالكثير من الضجيج، استاء لاكتشافه “مفسدين للتنظيم” في صفوف أصدقائه المناشفة. فبدأ يكرز بينهم بالمصالحة، مظهراً ما يكفي من الاعتدال. لقد انضم إلى المناشفة ليصلح الخطأ الذي ارتكبه لينين بحق مؤسسي الحركة، وعبرهم بالحركة بالذات، ولقد تم اصلاح الخطأ حقا. واللجنة المركزية البلشفية بالذات كانت ترغب في اصلاحه. ما كان ينبغي فعله الآن لاختتام هذا الفصل المؤلم يكمن في التخلص من الترتيبات الخاصة التي كانت ضرورية لهزيمة لينين؛ ينبغي أن يتصافح في الاخير ذوو النيات الحسنة في جناحي الحزب. لم يفهم تروتسكي أن التدابير الخاصة اتخذت لتدوم.

في مجادلات من هذا النوع، لا يكون الساعي لأجل المصالحة على الرحب والسعة ابدأ. فهو يهدد بقلب الخطط وخلط الأوراق جميعاً. ينظر اليه اصدقاؤه بحذر، ويكادون ينظرون اليه كخائن. هكذا كان ينظر المناشفة الآن إلى تروتسكي: لم يكن سلوكه واضحاً، بل كان شبيها بموقف البلاشفة المعتدلين؛ ما كان بمستطاع أحد أن يحدد موقعه في الغد. وفي الحقيقة كان في وسع تروتسكي أن يغدو بسهولة أحد «المصالحين» البلاشفة لو أن هجماته الحادة على لينين وأنصاره لم تبعده عن البلاشفة أجمعين؛ ففي نظرهم، كان أحد أخطر المناشفة. باختصار، كان تروتسكي يقطع علاقته بأصدقائه السياسيين، دون ان يكون لديه حظ كبير بالتفاهم مع خصومه.

حينئذ بالذات خضع لتأثير رجل كان، بمعنى ما، غريباً عن الحزب ولعب في أعماله دور مغامر لامع. يتعلق الأمر بـ أ. ل. هلفاند، وكان يهودياً روسيا مقيم في المانيا، اكتسب شهرة اقتصادي، وصحفي، وكاتب مؤلفات ماركسية (۲). كان يتعاون باسم مستعار هو بارفوس مع النيوزايت، الدورية الاشتراكية الأعظم أهمية والأكثر اصطناعاً في أوروبا، ومع العديد من الصحف الاشتراكية الأخرى، وكان يصدر كذلك مجلة باسم Aus der Weltpolitic، تنبأ فيها منذ عام ۱۸۹۰ بالحرب الروسية – اليابانية وتوقع أن تنتج عن تلك الحرب الثورة في روسيا، وهو توقع جرى الاكثار من الاستشهاد به بين عامي ۱۹۰4 و ۱۹۰5، حين أثبتته الاحداث. كان بارفوس الى اقصى يسار الحزب الالماني، معارضاً بعنف للتيار الاصلاحي ومزدرياً لادعاءات الاورثوذكسية الروسية، التي كان بعض القادة لا يزالون يستخدمونها لإخفاء تصالحهم مع الوضع القائم. كان فطنا ومحباً للقتال، ولذا كان يبحث عن وسائل تجديد الروح الثورية في الاشتراكية الألمانية.

كان القادة الإصلاحيون ينظرون إليه بخوف، وبتلك السخرية التي تُدّخر للمهاجرين الذين يحاولون أن يصلحوا اساليب البلد الذي يهاجرون اليه (3). وكان بارفوس يستعيد سمعته باتخاذ موقف أبوي حيال مواطنيه القدامى الذين كان يرشقهم بانتقادات أكثر لذعاً: كان يفضح «روح الحوذي والهمجية» لدى الروس في المنفى وينوي تعليمهم الطرائق السياسية الغربية. وبالرغم من هرجاته، كان الروس ينظرون اليه كنوع من الدليل في قضايا السياسة والاقتصاد الدولي. وقد تعاون مع الايسكرا، مستعيراً في البدء اسم مولوتوف، ثم اسم بارفوس. وكانت دراساته تظهر عموماً في الصفحة الأولى، وكان المحررون سعداء بنشر مقالاتهم في المقام الثاني ليتركوا له الأول. كانوا يحترمون معارفه الواسعة، ومواهبه وأحكامه، لكن ذلك لم يكن يمنعهم من الشعور نحوه ببعض الحذر. كان هنالك شيء من الغارغانتوية والفالستافية (*) في “رأس البولدغ (**) الثقيل وكثير اللحم هذا”، كما يقول تروتسكي. إلا أنه لم يظهر شيء يبرر ذلك الحذر، مع ذلك، طوال سنوات عديدة: لم يصدر عنه أي خطأ، أي خطأ مشهود، أي خطأ يسمح على الأقل بالتشكيك بنزاهته وبإيمانه الاشتراكي. كان متعاوناً غير منتظم قليلاً، وكانت دراساته تستوجب سلاسل مقالات طويلة نادرا ما كان يسلمها في أوقاتها، لكنها كانت تلاقي استقبالا جيدا. كان يقوم بمشاريع مالية تنطوي على مخاطر: فقد أخفق في محاولة انشاء دار نشر اشتراكية وكان ينوي تأسيس يومية اشتراكية تظهر في الوقت ذاته بعدة لغات اوروبية، وتكون مهمتها إخراج الاشتراكية الأوروبية من سباتها الاصلاحي. لكن كان يحتاج لأجل ذلك إلى كمية كبيرة من المال لم يتمكن من الحصول عليها، لأنه، على الأرجح، لم يكن أصبح مهيأ للانطلاق في مغامرات مالية خطرة. إلا أنه، لسبب أو لآخر، كان الاحترام الذي يقابل به يمتزج ببعض السخرية والحذر.
وقد أظهرت مغامراته اللاحقة أنه كان في شخصيته نفّاج Snob وغشاش سیاسي. إلا أنه كان إحدى الشخصيات الأكثر جرأة والأكثر نفاذا بين أبناء جيله. فالمفكر السياسي كان يتفوق لديه على الغشاش.

وفي المجادلات التي كانت تشق الروس، أبدی بارفوس في البدء تعاطفا مع المناشفة، إلا أنه ما لبث أن وقف على مسافة متساوية ومعقولة من الجناحين، كما يحسن برجل يرشح نفسه للعب دور المُصالح. فلقد حاول في السابق أن يصالح جماعة الايسكرا والاقتصاديين، وكان يحاول الآن التوصل إلى هدنة فيها بين جماعة الايسكرا. وكانت علاقاته مع المجموعتين علاقات سليمة على الأقل. وحين بدأ ينتقد بعد قليل کلا المجموعتين، وافق الجميع بطيبة خاطر على تدخله، دون أن يتزحزحوا عن مواقعهم، ومنحوه المعاملة المحفوظة لجهة حيادية مشهورة وحسنة النية (4).

بعد أن طرد تروتسكي من الايسكرا واختلف مع الجميع غادر جنيف وذهب إلى ميونيخ حيث كان يسكن بارفوس. وقد أقام عنده حيث انضمت اليه سيدوفا، امرأته الثانية. وجد تروتسكي في بارفوس رجلا ينظر بتجرد إلى الانقسامات الداخلية بين الروس، رجلا قادرا على الاحاطة بالاشتراكية في وضعها العالمي، معلما في التحليل الماركسي، لا يفوقه أحد في فن رؤية المنظورات الواسعة لصراع الطبقات وفي جعل الآخرين يرونها. وكان تروتسكي يعجب في الاخير، وبصورة خاصة، بـ “الأسلوب الرجولي، والمتين، الخاص ببارفوس”، الذي بقي يحن إليه بعد القطيعة فيما بينهما بزمن طويل. وباختصار كان بارفوس لا يزال يسيطر على تروتسكي بعلمه وتجربته وحكمه الأدبي. إلا أنه ليس سهلا قياس مدى تأثيره على تروتسكي. فحتى اليوم ينسب مغتابو تروتسكي الأبوة الحصرية لنظرية «الثورة الدائمة» إلى بارفوس، مدعين أن تروتسکی استعارها ونسخها، وأن نظرية آتية من مصدر بهذه الدرجة من الفساد لا يمكن إلا أن تكون بلا قيمة. ولم ينكر تروتسكي ذاته دیونه تجاه بارفوس، وإن كانت الحرارة التي اعترف بها بتلك الديون تبدلت وفقا للحقب الزمنية والظروف. ان ما كتباه في أفضل أيام تعاونها يبين إلى أي حد طبعت الأفكار والنظريات التي صاغها بارفوس في البدء تروتسكي، الذي أعاد تأكيد العديد منها على امتداد حياته، بشكل شبيه بذلك الذي اعطاها إياه في السابق صديقه القديم.

إلا أن تروتسكي كان يتميز ببعض الصفات التي جعلت منه، منذ البدء، أكثر من تلميذ لبارفوس وحسب. فكانت لديه تجربة حديثة تتعلق بروسيا والنضال السري لم تتوفر لبارفوس. وكان خيال تروتسكي السياسي متوهجاً باستمرار، بينما كانت تحليلات بارفوس وتشخيصاته ناجمة عن ذكاء جسور، لكن بارد. كانت لتروتسكي تلك الحمية الثورية التي تمنح الأفكار أجنحة تحلق بها، بينما كان بارفوس من النموذج الثوري الساخر والوقح. وفي الاخير، لقد حمل تروتسكي اسهامه الخاص إلى رصيدهما المشترك من الأفكار. وكما في معظم الشركات من هذا النوع، يصعب تحديد اسهامات كل من الشريكين بوضوح، حتى بواسطة الشريكين بالذات. فالتفكير يتم بصورة مشتركة، وحتى لو أمكن في بعض الاحيان قول من سلم قبل الآخر للناشر. هذا الجزء أو ذاك من النظرية، تبقى التبادلات الفكرية بين الشريكين غير قابلة للتمييز. وكل ما يمكن تأكیده بصدد بارفوس وتروتسكي هو أن الأكبر سنا بينهما كان في الطليعة في البدء، يقود الفريق بأفكاره وصیغه. أما فيما بعد فبدا أن الرجلين يتقدمان Pari passu (***). وفي الأخير، أخذ الأصغر سنا دفة القيادة بدوره، مقدما إسهاما من نتاجه الخاص هو الصياغة الناجزة لمذهب سياسي جديد، وضعه في واجهة مسرح الثورة الواسع والمختلط. علينا أن نضيف ان هذا التطور بمجمله حدث سريعاً. بدأ في صيف عام 1904 وانتهى عام 1906، حين عرض تروتسكي كتابه، في سجن بطرسبورغ حيث كان ينتظر صدور الحكم عليه، نظرية كاملة للثورة الدائمة. وقد كانت فترة تدربه لدى بارفوس أقصر أيضا: لم تتخط بداية عام ۱۹۰۵، التي توافقت مع بداية الثورة الاولى. كانت تلك فترة تأمل مكثف ومتسارع؛ كان الشاب تروتسكي الذي أسقط صورة اليعقوبية على الثورة الروسية يتعلم بسرعة.

___________________

(1) تروتسكي، ناشي بوليتيسكيي زاداشي، ص ۸.
(۲) ترجمت كتبه الى الروسية. أحدها، اقتصاد العالم والأزمة الزراعية، حياه لينين بإعجاب عام ۱۸۹۹. کتب لينين: “ان بارفوس يعالج بشكل رئيسي تطور السوق العالمية، ويصف الأطوار الحديثة في هذا التطور في صلة مع افول التفوق الصناعي في انكلترا …. نوصي بشدة …. بقراءة كتاب بارفوس” .. لينين سوش ، الجزء 4، ص ۰۱ – 5۲.
(3) حل محل السخرية احترام شدید، منذ بدأ المهاجر يتوافق مع الاعراف، وفي نهاية حياة بارفوس أصبح الموجه الخفي لايبرت، رئيس جمهورية وايمار.
(*) نسبة إلى شخصيتين روائيتين مشهورتين هما غارغانتوا وفالستان (م)
(**) نوع من الكلاب (م)
(4) بارفوس، روسايا أي ريفولوتسيا، ص ۱۸۲ وما بعدها، الايسكرا، العددان ۱۱۱ و ۱۱۲ (۲4 ايلول / سبتمبر ۱۹۰۵و 8 تشرين الأول / اکتوبر ۱۹۰5) انظر كذلك مارتوف ایستورباروس. سوتس. دیم، ص ۱۱۲ وما بعدها. وقد أجاب لينين بارفوس بنبرة كلها توقير واحترام (سوش. الجزء ۸، ص ۲6۱).
(***) باللاتينية في النص (م).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الثالث – على عتبة التاريخ جـ 7 (27)

Check Also

النبي المسلّح: الفصل الثاني عشر (92)

أسلحة للجمهورية ج9   في 16 تشرين الأول/ اوکتوبر، أملی تروتسكي، في القطار الذي كان ينق…