Home نظرية معركة لينين الأخيرة

معركة لينين الأخيرة

هذا هو الفصل الرابع من كتاب “الأممية – النضال الدائم ضد الطائفية والانتهازية” للكاتبة الأرجنتينية أليسيا ساغرا

 

كان خطر تفشي البيروقراطية في دولة العمال مصدر قلق دائم للينين. منذ 1920، أشار إلى “التشوهات البيروقراطية”. رغم هذا، عندما عاد إلى العمل بعد غيابه إثر مرضه، في نهاية العام 1922، أدهشه مدى تفشي البيروقراطية في الحزب والدولة. وقد ألقى ثلاثة خطابات قبل إصابته بالجلطة الثانية، في 16 كانون الأول 1922، والتي أجبرته على التقاعد من العمل العام. في كل تلك الخطابات أشار إلى هذا الموضوع. في 31 تشرين الأول، قام بمقارنة عدد موظفي القطاع العام في موسكو للعام 1918 بنظيره في تشرين الأول 1922. رغم محاولة البلاشفة لتقليصه، ارتفع العدد من من 231,000 إلى 243,000. في 20 تشرين الثاني قال: “ما نحتاجه هو.. أن على الشيوعيين أن يسيطروا على الآلة التي أوكلت إليهم، وليس كما يحدث لنا عادة، أن تكون الآلة هي من يتحكم بهم”. (نوڤاك، 1974، ص 100).

 

عندما استولى الحزب البلشفي على السلطة، ورث تخلفها وبربريتها الممتدة إلى قرون. الدمار الذي خلفته الحرب الكبرى والحرب الأهلية أدى إلى المزيد من الانحدار لمستوى البلاد الثقافي. الوضع الاقتصادي المروع أدى إلى صراع محبط من أجل شروط البقاء الأساسية.

الجماهير خضعت لتضحيات هائلة. كانت تميل إلى الانفصال عن النشاط السياسي، السوفييتات بدأت تفرغ، ومهمات الدولة باتت تلقى بتصاعد في أيدي الحزب. لينين وتروتسكي حاولا البحث عن كيانات جديدة تتيح مشاركة الجماهير.. لكنهما لم يكونا قادرين على تغيير ميل الحركة الجماهيرية، التي فقدت جزءاً كبيرا من أفضل ممثليها في الحرب الأهلية.

في ذات الوقت، كثير من الناس الذين لا علاقة لهم بالثورة انضموا إلى الحزب من أجل الحصول على وظيفة خفيفة. هزيمة الثورة الألمانية زادت من سوء الوضع نوعيا. التقنيون والخبراء الذين كان يتوقعهم البلاشفة من ألمانيا عند انتصار الثورة فيها لم يصلوا. كان عليهم استخدام موظفي الخدمة المدنية القيصرية القديمة وتقنييها وخبرائها. كان أغلبهم ضد الثورة لكنهم كانوا على استعداد لخدمة الحكومة الجديدة مقابل امتيازات ورواتب أعلى. كانت نتيجة كل هذا هي تنامي القطاع، الذي يعكس تطلعات المهنيين، داخل الحزب.

هذا القطاع توحد حول ستالين. كان رئيس المكتب التنظيمي للحزب، وكان مسؤولا عن تعيين المناصب في الحزب والدولة. وقد بدأ ستالين في استغلال سلطته لخلق أتباع شخصيين. وتولى أيضا قيادة الرابكرين (تفتيش العمال والفلاحين باللغة الروسية)، والتي وجدت للتحقيق في الانتهاكات البيروقراطية ومنع حدوثها. وقد أصبحت الرابكرين كيانا حكوميا آخرا مليئا بالحرفيين.

في كانون الأول 1922، كتب لينين إلى تروتسكي مقترحا تشكيل “تكتل ضد البيروقراطية عموما وضد المكتب التنظيمي بشكل خاص”. (نوڤاك، 1974، ص 101).

أول ما هاجمه لينين كانت مشكلة معاملة القوميات. ستالين كان مسؤولا عن لجنة القوميات التي عملت على فرض حكومة أحادية على الإمبراطورية الروسية السابقة. حتى ذلك الوقت، كان اتحاد الجمهوريات المستقلة لايزال موجودا. معظم البلاشفة الجورجيين كانوا معارضين للمركزية المقترحة. ستالين حاول تمريرها عليهم بوحشية. وقد اقترح لينين سلسلة من التغييرات على تلك الخطة، فكانت استجابة ستالين بأن اتهم لينين بـ “القومية الليبرالية” واستمر في الدفع بالجورجيين. حتى أن أوردزونيكيدزي، الضابط الخاص بستالين، قام بضرب أحد أعضاء الحزب الجورجي.

في 30 كانون الأول، كان لينين، الذي بات مريضا، يملي على مساعديه: “يقال إن هنالك حاجة إلى جهاز موحد، ويتابع: “من أين جاء هذا التأكيد؟ ألم يأتي من نفس الأجهزة الروسية التي.. استولينا عليها من القيصرية ومسحناها قليلا بالزيت السوفييتي؟ لينين كان يتحدث عن الحاجة “للدفاع عن غير الروس من هجوم ذلك الرجل الروسي حقا، الروسي الشوفيني الكبير، الذي هو في جوهره وغد مستبد، كما هي البيروقراطية الروسية النمطية. لقد أصر على أن “المسؤولية السياسية الحقيقية عن كل هذا تقع على الحملة القومية الروسية الكبرى، التي لا بد وأنها طرحت بالطبع على ستالين ودزيرزينسكي” (نوڤاك، 1974، ص 102).

لاحقا، في 4 كانون الثاني 1923، كتب ملحقا لملاحظاته حول القيادة، والذي بات يعرف على أنه وصيته.

“الرفيق ستالين، الذي أصبح سكرتيرا عاما يمتلك سلطة غير محدودة تتركز بين يديه، وأنا لست متأكدا ما إذا كان بمقدوره دوما أن يستخدم هذه السلطة بحذر كاف”. (موشي ليوين، معركة لينين الأخيرة، ص 80). بعد ذلك اقترح على الحزب إيجاد طريقة لإزاحة ستالين عن منصبه كسكرتير عام. (نوڤاك، 1974، ص 102_ 103).

لينين شن أيضا هجوما على رابكرين، رغم محاولات أتباع ستالين لمنع نشره. في 23 آذار، 1923، ظهر مقال للينين في البراڤدا يقول:

“لقد كنا منفعلين لخمس سنوات، في محاولة تحسين جهازنا الحكومي، لكن هذا كان مجرد صخب، ثبت أنه غير ذي فائدة خلال هذه السنوات الخمس، بل أنه عقيم، أو حتى ضار”، كتب لينين. حقا، تساءل: “ما الفائدة من تأسيس مفوضية شعبية لا تحظى بأقل قدر من الثقة، وليس لكلمتها أي وزن؟ “ليقال بين قوسين إن لدينا بيروقراطيين في مكاتب حزبنا كما هو الأمر في مكاتب السوفييتات”. (أقل أفضل، ولكنه أفضل، نوڤاك وآخرون، 1974، ص 103).

في 5 آذار، كتب لينين إلى تروتسكي يطلب منه الدفاع عن أولئك الذين يختلفون مع ستالين في الحزب الشيوعي لجورجيا. وفي نفس اليوم كتب إلى ستالين يهدده بقطع العلاقات.

ومع هذا، فإن معركة لينين للمؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي الروسي لم تدر رحاها. في 9 آذار عانى من سكتة دماغية جديدة، أبقته مشلولا حتى وفاته في 24 كانون الثاني 1924.

المؤتمر تم تأجيله إلى نيسان. ستالين، خوفا من المزاج العام الذي ساد آنذاك، وافق على إعادة كتابة تقريره حول القوميات، وقام بالتصويت لصالح تقرير تروتسكي حول الاقتصاد. انسحاب لينين من النشاط السياسي أدى إلى تأجيل المواجهة، ولكن بعد ستة أشهر سيتم استئنافها بكل قوة.