Home نظرية النبي المسلّح: الفصل الثاني – بحثاً عن مثل أعلى جـ 6 (20)

النبي المسلّح: الفصل الثاني – بحثاً عن مثل أعلى جـ 6 (20)

کماركسي، كان برونشتاين يرفض ادعاءات الفن للفن. «فهو كطائرة من ورق يمكن أن يرتفع الى علو تبدو كل الأمور الأرضية معه غارقة في رتابة لا مبالية. إلا أنه حتى حين يبلغ هذا الفن البائس “الحر”، الغيوم، يبقى مربوطاً بحبل صلب يمسك الجهلة، الواقفون على الأرض، طرفه بحزم» (1). وقد كتب في مرة أخرى: «إن الأدب، إذا لم يتميز بقدرة كبيرة على التحليل، يكون علامة ملل اجتماعي ويطبع فترات الانتقال (2)». لقد أصدر إذاً حكماً نقديا على الحركة الرمزية الرائجة آنذاك، إلا أنه لم يدافع بالمقابل عن الواقعية الضيقة. على العكس من ذلك ، فهو يقول: «أن الخلق الفني، أكان واقعيا أو لم يكن، كان دوما رمزيا وسيبقى كذلك … فهدف الفن … ليس نسخ الواقع في كل تفاصيله، بل تسليط الضوء على تعقيد الحياة عن طريق عزل ملامحها المميزة العامة … وبصورة عامة، كل نموذج فني هو رمز، دون الكلام على شخصيات رمزية للغاية، من أمثال مفیستو، وفوست، وهاملت، واوتيللو، الذين يجسدون على صعيد الفن «لحظات» محددة من النفس الانسانية … » لكن المدرسة الرمزية – حسبما يؤكد برونشتاین -، بمحاولتها رفع الوسائل الى مرتبة الهدف لذاته، حقّرت الرمز الذي توقف عن ان يكون تعبيرا اكثر حدة عن التجربة البشرية ليصبح وسيلة فقط للهرب من تلك التجربة.

وكان اهتمامه بالآداب الأوروبية بحيوية رد فعله ضد الذاتية القومية الخاصة بروسيا الرسمية وبعض النارودنيين. وقد سخر من محبي السلافية الذين كانوا يفتخرون بأنه ليس لديهم ما يتعلمونه من الغرب ويعلنون بأن كل الاكتشافات والاختراعات الكبری روسية – «يمكن للأرض الروسية أن تنتج أفلاطونيها الخاصين بها ونيوتنيها ذوي الذهن السريع (3)». هذه “النزعة الغربية”، التي كان يشترك فيها آنذاك كل الماركسيين والليبراليين، لم تكن تستتبع اطلاقا رفض الارث الروحي العظيم لروسيا القرن التاسع عشر، إن تراث روسيا الأدبي العظيم لم يكن يعود الى عهد أبعد بكثير، ومعظم المفكرين والكتاب الروس كانوا متمردين وكانت مؤلفاتهم تخلي مكاناً واسعاً للمثقف الثوري. وتأثير أدب التمرد هذا هو الذي ساعد برونشتاين على قطع صلاته بطفولة ومراهقة لم تقدما له تجربة جديرة بأن تصنع منه ثورياً. ونحن نعرف أنه تأثر تأثرا عميقا بغليب اوسبنسكي. وحين مات أوسبنسكي مجنوناً، عام ۱۹۰۲، أورد برونشتاین ملاحظته التي ترى أنه ليس من رابط واحد تقريبا بين حياته كرجل راشد ومتمرد وطفولته أو مراهقته؛ وقد أيد تلك الملاحظة، مما يعتبر معبراً للغاية. وأضاف اوسبنسكي انه كان عليه أن «ينسى ماضيه» ليعثر على شخصيته الجديدة. هذا الواقع ينطبق أكثر على مؤلف سيرته بعد موته. فقد كتب: «أدرك اوسبنسكي الحياة كما هي، بوعي رهيب ومدمر لذاته، وأفنى نفسه باحثا عن الحياة كما يجب أن تكون. كان يفتش عن الحقيقة ووجد الكذب، كان يسعى وراء الجمال وعثر على البشاعة، كان يبحث عن العقل وقد اكتشف الغباوة والجهل» (4).

ومن بين المعلمين الآخرين للتمرد الأدبي، كان يعجبه بیلنسكي ودوبروليوبوف، وهرزن بدرجة أقل: كان يعجبه لديهم تماثلهم مع المضطهدين، ولا مبالاتهم بالنجاح المادي، ورفضهم لكل تفاهة، والشهامة المنزهة التي كانوا يبحثون بها عن الحقيقة. لقد ارتفع أوسبنسكي النارودني فوق مسبقات النارودنيين وأوهامهم: «کوجه متوحد، شهيد لفكره الجسور، ينظر بنفاذ أليم، من فوق رؤوس معاصريه ورفاقه … إلى صورة المستقبل». وكان بيلنسكي “جد الأدب الروسي الحديث”، يؤكد أنه لا شيء مما ينجح فور ظهوره، ويتلقى مدائح من الجميع، يمكن أن يكون عظيما أو مهما: لا يكون عظيما ومفعما بالدلالة إلا ما يقسم الآراء … ما ينضج وينمو عبر معركة حقيقية، ما يؤكد ذاته … في وجه مقاومة الحياة. كان الناقد يقدر لدى دوبريوليوبوف الحساسية القصوى ازاء كل علامة مزيفة، ورفضه للأفكار المبتذلة، حتى حين تكون غير مؤذية، وما كان شيء يزعج دوبر وليوبوف، أكثر من اضطراره للإصغاء إلى واحد يثبت، عن قناعة، قساوة أكل لحوم البشر أو منفعة التعليم.. ويخلص برونشتاين إلى القول أن نقد دوبر وليوبوف ذو راهنية حادة، ويبقى كذلك «طالما أصر الناس على القتال ببطولة من اجل اشياء تافهة …. وطالما اعتبروا التبشير بأصول ليبرالية سهلة مزية وجدارة» (5).

هذه النظرة المقتضبة إلى برونشتاین ناقداً أدبياً، وهي نظرة مختصرة جدا، ربما أعطت انطباعا مغالى به قليلا عن نضج كتاباته. فقد كان اسلوبه، المصطنع جداً، والنظري جداً، والمتحذلق للغاية، لا يزال اسلوب مراهق؛ إلا أن الأحكام التي يطلقها كانت اجمالاً أحكام رجل. وهذه الدراسات تهم كاتب السيرة بقدر ما يجد فيها تحليلات وصورة للكاتب بقلمه. إلا أن برونشتاين الشاب لخص بشكل أكثر مباشرة نظراته الشخصية في دعائه للقرن العشرين (المكتوب في بداية عام ۱۹۰۱، بعنوان «حول التفاؤل والتشاؤم، وعن القرن العشرين وأشياء أخرى كثيرة») (6). وقد حلل فيه مختلف أنواع التفاؤل والتشاؤم وأكد تفضيله لرؤية متشائمة للحاضر، لكن متفائلة بالمستقبل؛ فبرونشتاين يرى أن الرجل الذي يشاطره وجهة النظر هذه يفتح للفكر الانساني آفاقا جديدة ويصنع التاريخ. ففي أكثر من مرة، كان على هذا التفاؤل من نموذج خاص أن يتحدى محاكم التفتيش. “في أكثر من مرة، کرس له التوركیماد (*) الجماعي انتباهاً خاصاً جدا”. إلا أنه، هو المتفائل، ينبعث من الرماد. و «بإيمان وحماس وحمية نضالية متساوية، يقرع بحزم باب التاريخ». يلتقي في طريقه الجاهل الذي يستمد قوته من العدد الكبير ومن سوقية مطلقة: «هو مسلح حتى أسنانه بتجربة لا تتخطى الصرافة أو المكتب أو المخدع الزوجي». على تفاهة الجاهل وروحه المحافظة الواقعية المزيفة (“ولا شيء جديد تحت الشمس”) يرد المتفائل الملتفت إلى المستقبل :

! Dum Spiro Spero … لو كنت جرماً سماوياً، لكنت تأملت بتجرد كامل هذه الكتلة من الرماد والوحل … كنت تألقت على الخير وعلى الشر بالتساوي … إلا أني انسان. بالنسبة اليك، أيها الملتهم البارد للعلم، بالنسبة اليك، يا حامل كتب الأبدية، ليس تاريخ العالم غير لحظة مهملة في مر الزمان؛ بالنسبة لي، هو كل شيء.

طالما أتنفس، سأناضل من اجل المستقبل، هذا المستقبل المشرق حيث الانسان القوي والجميل يغدو سيداً لمجرى حياته الخطر ويوجهه نحو الآفاق اللامتناهية، آفاق الجمال والفرح والغبطة !!…

لقد خيب القرن التاسع عشر آمال المتفائل أكثر مما أرضاها … أجبره على أن ينقل معظم آماله إلى القرن العشرين. في كل مرة كان المتفائل حيال واقع فظ كان يصيح: ماذا، أيمكن لهذا أن يحدث على مشارف القرن العشرين! وحين كان يرسم لوحات عجيبة لمستقبل متناغم، كان يحدد لها موقعاً في القرن العشرين.

والآن، ها قد بدأ هذا القرن! فماذا حمل مع استهلاله؟.

في فرنسا – الزبد المسموم للحقد العرقي؛ في النمسا – الصراعات القومية؛ في افريقيا الجنوبية – احتضار شعب صغير يغتاله عملاق؛ وفي الجزيرة “الحرة” بالذات، الأناشيد لمجد الجشع الظافر لدى أصحاب المصارف الشوفينيين؛ تعقيدات «درامية» في الشرق؛ تمرد الجماهير الجائعة في ايطاليا، وبلغاريا، ورومانيا … الحقد والقتل والمجاعة والدم … كل شيء يتم كما لو كان القرن الجديد، هذا القادم الجديد العظيم، حاول منذ ظهوره أن يلقي المتفائل في تشاؤم مطلق وفي نيرفانا مدنية.

– الموت للطوبى! الموت للإيمان! الموت للحب! الموت للأمل! هكذا يرعد القرن العشرون وسط فرقعة الحرائق ودوي المدافع.

– استسلم، أيها الحالم المثير للرثاء، ها أنذا، قرنك العشرون الذي طال انتظارك إياه، «مستقبلك».

. کلا، يجيب المتفائل غير المنهزم، أنت، لست سوى الحاضر.

* * *

بعد أربع سنوات ونصف من السجن والنفي، كان برونشتاين يتطلع إلى حقل عمل أوسع من المستعمرات السيبيرية. وخلال صيف ۱۹۰۲ حمل اليه البريد السري نسخة من ما العمل؟ للينين ومجموعة الايسكرا. وقد قرأهما تخامره عواطف مختلطة، اذ وجد فيها أفكار حول بنية الحزب وطابعه، أفكار، كانت نضجت في داخله، لكن عبر عنها كتاب مهاجرون لامعون بثقة قصوى، وأن يكون توصل لوحده، في خلوته، الى الاستنتاجات ذاتها كان يشجعه ويؤكد ثقته بذاته، لكنه كان نافد الصبر: ما كان في وسعه أن يتحمل بعد الآن رؤية الشوارع الضيقة والموحلة وسيئة التبليط في فرخولنسك. حتى النقاشات داخل جاليات المنفيين ونجاحاته الأدبية في المجلة الشرقية كانت تملؤه بالضجر. فلو كان يستطيع الذهاب إلى موسكو أو بطرسبورغ … ومن هناك، ربما إلى جنيف، أو ميونيخ أو لندن، حيث تنصهر الأسلحة الفكرية الخاصة

بالثورة …

وكانت امرأته تشاطره نفاد صبره وطموحه الخفي. لم تكن الكسندرا تشك في أنه ينتظر زوجها قدر عظيم، وأن الساعة أزفت في سن الثالثة والعشرين لصنع شيء يضمن خلوده. وكانت تحثه على محاولة الهرب من سيبيريا، قابلة بذل تضحية قاسية، فهي أنجبت ابنتها الثانية وكان عليها أن تناضل مذاك لأجل نفسها ولأجل طفلتيها دون عون، ودون أي يقين بإعادة جمع الشمل. في نظرها لم تكن تقوم إلا بواجبها كزوج وکثورية؛ وكانت قابلة بهذا الواجب دون أدنى قدر من الميلودراما.

في ليلة صيف من عام ۱۹۰۲، كان برونشتاین، المختفي تحت حمولة من الشعير في عربة أحد الفلاحين، يشق طريقه نحو ایرکوتسك عبر حقول سيبيريا الهزّازة. تمدد في مكانه تمثال لعرض الملابس، في سريره بهُري فرخولنسك. وفي المساء مضى مفتش شرطة كعادته ليتأكد من أن الزوجين برونشتاين لم يبرحا المكان المخصص لها: تسلق السلم حتى الهُري، وألقى نظرة على السرير، فشعر بالرضى إذ وجد كل شيء في مكانه، وعاد من حيث أتى. في غضون ذلك، كان الهارب، الذي قدم له بعض الاصدقاء ثيابا جديدة ولائقة في ایرکوتسك، يأخذ مقعده في القطار الذي يعبر سيبيريا.

وقبل رحيله من ایرکوستك، قدم له رفاقه جواز سفر مزوراً. كان عليه أن يسجل عليه الاسم الذي اختاره، وقد كتب سريعة اسم أحد سجانيه القدامى في سجن اوذيسا. وخلال ذلك الفرار الخطر، هل كان ذلك التماثل مع السجان القديم يرضي لدى الهارب حاجة غير واعية إلى الأمن؟ ربما، إلا أن أسم السجان الغامض سوف يكتب بأحرف كبرى في تاريخ الثورة: كان ذلك اسم تروتسكي (7).

و مرت الرحلة إلى الغرب في هدوء غير متوقع، وكان الراكب يقتل الوقت بقراءة اشعار هوميروس في ترجمة روسية. وقد توقف في سمارا على الفولغا، حيث أقامت هيئة تحرير الايسكرا الخاصة بروسيا، وهناك استقبله بحفاوة کرجیجا نوفسكي – كلير، وكان مهندسا لامعا، صديق لينين ومدير الغوسبلان (لجنة التخطيط القومي) السوفياتية، فيما بعد. وكانت شهرة برونشتاين الأدبية قد سبقته: اطلق کرجیجا نوفسکی – کلیر عليه اسم بييرو (الريشة) وأرسل إلى هيئة الايسكرا في لندن تقريراً حارّاً للغاية عن موهبته وعمله. وقد تم ارسال برونشتاین فورا الى خارتوف فبولتافا فكييف حيث كان عليه أن يتصل بحلقات اشتراكية. فاكتشف أن معظم تلك المجموعات بقيت على وطنيتها المحلية وكانت ترفض التعاون فيما بينها أو الخضوع لسلطة مركزية. وعاد إلى سمارا ومعه تقرير عن الوضع. فوجد هناك رسالة تعلمه بأن لينين ينتظره: كان على الريشة أن يمضي في أسرع وقت ممكن ليقدم تقريرا لهيئة أركان الايسكرا العامة في الخارج.

_______________

(1) راجع الدراسة عن هوبتمان، المرجع ذاته، ص ۱۷۰ – ۸۱.
(2) الدراسة حول بالمون، المرجع ذاته، ص ۱۹۷ – ۷۰.
(3) ل. تروتسکی، سوشيننيا، الجزء العشرون، ص ۱66 – ۱۸، راجع المقال الهجائي، و”داروين الروسي” المنشور في تشرين الأول / نوفمبر.
(4) کتب برونشتاین دراستين سيريتين عن اوسبنسكي، إحداهما للمجلة الشرقية والأخرى للمجلة العلمية (نوشنویی اوبوزريني)، سوشيننيا، الجزء العشرون، ص ۳۳ – 40 و41 – ۱۷. (5) المرجع ذاته، ص ۱۲، ۲۹- ۳۴.
(6) المرجع ذاته، ص 74 – ۷۹.
(*) التوركيمادا نسبة إلى المفتش العام الاسباني توماس دي تورکیمادا المسؤول عن محاكم التفتيش في كل شبه الجزيرة الأيبرية، والذي عرف كذلك بعدائه لليهود ودعوته لطردهم. ولد عام 14۲۰ وتوفي عام ۱۹۹۸ (م).
(7) زيف، المرجع ذاته، ص ۲۰ – ۲۹. م. ایستمان، المرجع المذكور، ص 143 , لا يشير تروتسكي في سيرته الذاتية الى الأصل الغريب لاسمه المستعار، وكما لو كان خجولا بعض الشيء، كان يكتفي بالقول أنه لم يتصور أن تروتسكي سيصبح اسمه طيلة ما تبقى من حياته..

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

 

النبي المسلّح: الفصل الثاني – بحثاً عن مثل أعلى جـ 5 (19)