Home نظرية النبي المسلّح: مؤسس الجيش الأحمر (5)

النبي المسلّح: مؤسس الجيش الأحمر (5)

في منتصف عام ۱۹۱۸، كانت جمهورية السوفييتات لا تزال عملياً بلا جيش، حسبما يقول دويتشر. ولم يمض عامان حتى كان الجيش الأحمر، الذي انشأه تروتسکی بالذات، من موقعه كمفوض للحرب ورئيس لمجلس حرب الجمهورية، يبلغ تعداده خمسة ملايين رجل، في غمار حرب شرسة خاضها ضد الحرس الأبيض، الذي انشأته الفلول المهزومة للبورجوازية والاقطاع، وضد جيوش التدخل الأجنبي الأربعة عشر، ويتمكن في النهاية من تحقيق النصر، وسط الحصار الشرس حول أول جمهورية للسوفييتات.

ولقد كثرت الشهادات على العبقرية العظيمة التي حققت تلك المعجزة، إلا أننا سنقتصر على إيراد اثنتين ذكرهما دويتشر: أحداهما من عدو لدود، هو الجنرال الابيض دنيكين، والأخرى من لينين بالذات، فالأول قال في معرض حديثه عن النظام الذي استطاع تروتسكي بواسطته الاستفادة من خبرة عدد كبير من الضباط القيصريين القدامى في عملية بناء الجيش الاحمر وخوض حرب السنوات الثلاث: “يمكن لحكومة السوفييتات أن تفخر بالمهارة التي جندت بها إرادة وذكاء الجنرالات والضباط الروس الذين جعلت منهم أدواتها المطيعة، رغم نفورهم” (۱). اما شهادة لينين فنقلها مكسيم غوركي، الكاتب والثوري الروسي المشهور، استنادا إلى حديث دار بين الاثنين، قال الأول خلاله:

“دلني على رجل يستطيع أن يبني في عام واحد جيشاً نموذجياً، تقريباً، وأن يحظى باحترام الخبراء العسكريين. إننا نملك هذا الرجل. لدينا كل شيء، وسنجترح العجائب” (2).

وقد أبرز دویتشر كيف استطاع تروتسكي أن يطوق سيئات استخدام ضباط غير موثوقين، عن طريق سلسلة من التدابير، لعل أهمها الاستعانة بجهاز من مفوضين سیاسيين كانوا يلعبون دورا أساسيا الى جانب الضباط، الذين اقتصر دورهم على الجانب العملياتي، تحت الرقابة المباشرة والوثيقة للمفوضين المذكورين. کما بيّن مدى الجهد الجبار الذي بذله لتكوين كادرات عسكرية جديدة اختارها من رتبة صف ضابط في الجيش القديم، ومن بين العمال العاديين، بحيث لم تأت نهاية الحرب الاهلية حتى كان الضباط “القيصريون”، لا يشكلون أكثر من ثلث أعضاء القيادة، فالثلثان الآخران جرت ترقيتهم من الفوج، وبينهم عدد من ماريشالات الحرب العالمية الثانية لاحقا.

هذا الجيش، حقق به تروتسكي أروع الانتصارات، التي حفظت رأس الثورة، وسمحت لجمهورية السوفييتات بالاستمرار وسط تكالب خدم رأس المال المحليين والعالميين واستشراسهم. وأبعد ما يكون عن روح «شوفينية» نمّاها ستالين في القوات التي خاضت الحرب العالمية الثانية، رسّخ تروتسكي في الجيش الاحمر الروح الأممية الرائعة. وهذا ما سلط دويتشر عليه الأضواء حين وصف الحرب مع بولونيا، إذ يقول:

“في أوج أعمال القتال، أصدر قراراً علنية يحظر فينوي ديلو (القضايا العسكرية)، مجلة هيئة الأركان العامة، التي استخدمت في مقال حول بيلسودسكي تعابير “مهينة للكرامة القومية للشعب البولوني” … وخلال جولات تروتسكي على الجبهة، كان عليه أن يتحكم بسخط الجيش الذي علم بأن البولونيين يعدمون أسرى الحرب. وقد شرح لجمعيات من الجنود على الجبهة قائلا إنه حتى العدو لا ينبغي ثلبه وتشنيعه. ومنع منعا باتا ممارسة أية أعمال انتقامية. ضد الأسرى البولونيين” (3).

____________

(۱) – الفصل الثاني عشر.
(2) – الفصل ذاته.
(3) – الفصل الثالث عشر.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الموقف من الفلاحين (4)