Home نظرية رأس المال: الفصل الثامن (37)

رأس المال: الفصل الثامن (37)

                 رابعاً – العمل النهاري والعمل الليلي – نظام المناوبة

إن رأس المال الثابت، ونعني وسائل الإنتاج، منظوراً إليه من زاوية إنماء القيمة ذاتية، لا يوجد إلا لامتصاص العمل، ومع كل قطرة عمل يمتص كمية تناسبها من العمل الفائض. وحينما يفشل في أداء هذه الوظيفة، فإن وجوده المحض يلحق بالرأسمالي خسارة سلبية، فهو يمثل، خلال الزمن الذي يرقد فيه هامداً بلا حراك، سلفة عديمة الفائدة من رأس المال. وتصبح هذه الخسارة موجبة منذ أن تقتضي فترة التوقف مصاريف إضافية للبدء بالعمل من جديد. إن تمديد يوم العمل إلى ما وراء حدود النهار الطبيعي، ودمجه بالليل، لا يعمل إلا كمخفف للآلام. فهو لا يروي إلا قليلا، ظمأ الغول الرأسمالي إلى دم العمل الحي. وعلى هذا، فالاستحواذ على العمل 24 ساعة في اليوم، نزوع ماثل في صلب الإنتاج الرأسمالي. ولكن بما أنه يستحيل جسدياً امتصاص قوة العمل الواحدة نفسها باستمرار ليلا ونهاراً، فإن تذليل هذه العقبة الطبيعية، يقتضي مناوبة العمال الذين تستهلك قواهم نهاراً والذين تستهلك قواهم ليلا. ويمكن تحقيق هذا التناوب بطرق شتى، كأن يقوم قسم من العمال بالخدمة نهاراً خلال أسبوع، وبالخدمة ليلاً خلال الأسبوع الذي يليه. ومن المعروف أن نظام المناوبة هذا، أي اقتصاد التناوب، كان سائداً في عنفوان شباب صناعة القطن الإنكليزية وغيرها، وما يزال مزدهراً، في الوقت الحاضر، في صناعة غزول القطن في محافظة موسكو وفي أماكن أخرى. إن عملية الإنتاج التي تستمر (24) ساعة في اليوم هي نظام قائم حتى يومنا هذا في الكثير من فروع الصناعة في بريطانيا العظمى التي لا تزال “حُرّة”، من بينها أفران صهر المعادن، وصناعات طرق الحديد، ومعامل تصفيح المعادن، وغيرها من مصانع التعدين في إنكلترا وويلز واسكتلندا. وتشتمل عملية العمل، هنا، على العمل 24 ساعة في اليوم خلال أيام العمل الست الأولى من الأسبوع علاوة على 24 ساعة يوم الأحد في حالات كثيرة. ويتألف العمال من رجال ونساء، راشدین وأطفالا من كلا الجنسين، وتتراوح أعمار الأطفال والأحداث بين جميع الدرجات الوسيطة التي تبدأ من سن الثامنة (وأحيانا من سن السادسة) حتى الثامنة عشرة (1). وفي بعض فروع الصناعة تعمل الفتيات والنساء ليلا بصورة مختلطة مع الرجال (2).
وإذا نحينا جانب تأثير العمل الليلي (3)، المضر بوجه عام، نجد أن الأمد الزمني لعملية الإنتاج الذي لا ينقطع لحظة خلال 24 ساعة، يوفر فرصة رحبة لتجاوز حدود يوم العمل الإسمي. ففي فروع الصناعة المرهقة التي مر ذكرها، مثلا يتألف يوم العمل الرسمي من 12 ساعة لكل عامل سواء في الليل أم النهار. غير أن تشغيل العمال بما يفوق هذا الحد في حالات كثيرة أمر “مرعب حقا” (4) (truly fearful) على حد تعبير التقرير الرسمي الإنكليزي. ويمضي التقرير قائلا:

“إنه لمن المستحيل على أي عاقل أن يدرك بأن العمل الجسيم، الموصوف في الفقرتين التاليتين، إنما يؤديه أولاد تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة … من دون أن يتوصل، على نحو لا مردّ له، إلى الاستنتاج بأن هذا التجاوز في استخدام صلاحية الأبوين وأرباب العمل لا يمكن أن يسمح له بالاستمرار بعد الآن” (5).

إن الممارسة التي تجعل الأولاد يعملون، بأية حال، في وجبات الليل والنهار، سواء كان العمل يسير سیره المعتاد، أم كان ملحاً، تفضي لا محالة إلى فتح الباب لتمدید ساعات العمل تمديداً مفرطاً في أحيان غير قليلة. والحق أن هذا التمديد، لا يتسم في بعض الأحوال بالقسوة فحسب بل يصعب تصديقه بالنسبة للأطفال. وبوجود عدد من الأولاد، يصادف مراراً أن يتغيب هذا أو ذاك لسبب من الأسباب . وحين يقع ذلك يستعاض بصبي أو أكثر من الحاضرين ليتولوا العمل محل المتغيبين في وجبة عمل جديدة. أما كون هذا النظام شائعاً تماما فذلك ما يتضح… من إجابة مدير مصنع كبير للصفائح عن سؤال وجهته له بصدد الكيفية التي يجري بها سد الفراغ في حالة تغيب الأولاد عن وجبة العمل، حيث قال: – «أجرؤ على القول، يا سيدي، إنك تعرف الأمر كمعرفتي به». ثم أقرّ بالحقيقة (6).
“وفي مصنع للصفائح حيث تمتد ساعات العمل الأصلية من السادسة صباحا إلى الخامسة والنصف مساء، كان ثمة صبي قد اشتغل أربع ليال في الأسبوع حتى الثامنة والنصف مساء في أقل تقدير … ودام ذلك ستة أشهر. وثمة صبي آخر، في التاسعة، كان يعمل في بعض الأحيان طوال ثلاث نوبات عمل متصلة أمد الواحدة اثنتي عشرة ساعة، وحين بلغ العاشرة من العمر، أخذ يعمل على مدى نهارين وليلتين بصورة متصلة”، وهناك صبي ثالث هو الآن في العاشرة… كان يعمل من السادسة صباحا حتى منتصف الليل لثلاث ليال متصلة، وحتى التاسعة مساء في الليالي الثلاث الأخرى”. “وصبي آخر في الثالثة عشرة … يعمل من السادسة مساء حتى الثانية عشرة من ظهر اليوم التالي خلال أسبوع العمل كله، وأحيانا يستمر في العمل ثلاث مناوبات مجتمعة، أي من صباح الاثنين حتى مساء الثلاثاء”. “وآخر، في الثانية عشرة من عمره الآن، ظل يعمل في مصهر للحديد في ستانلي من السادسة صباحا حتى منتصف الليل لأسبوعين متتاليين، ولم يعد في استطاعته الاستمرار في ذلك”. «جورج البنزوورث وله من العمر 9 سنوات، وقد جاء إلى هنا يوم الجمعة الماضي ليعمل في قبو الخزن، يقول: – كان علينا في الغداة أن نبدأ العمل منذ الثالثة فجرا، وهكذا بقيت هنا طوال الليل. فأنا أسكن على بعد خمسة أميال من هنا. نمت على أرضية فرن الصهر العلوية، تحتي مئزر، وفوقي سترة صغيرة، وفي اليومين التاليين جئت إلى هنا في الساعة السادسة صباحا. أواه! إن الحرارة خانقة في هذا المكان. قبل أن أجيء إلى هنا، زاولت العمل نفسه على مدى عام تقريبا في مصنع يقع في الريف. وهناك أيضا كنت أبدأ عملي في الثالثة من صباح السبت – لكن المصنع كان قريباً من بيتنا، وكان باستطاعتي الذهاب للنوم في بيتنا. وفي الأيام الأخرى كنت أبدأ العمل منذ السادسة صباحا، وأنتهي منه نحو السادسة أو السابعة مساء، إلخ (7).
دعونا نستمع الآن إلى رأي رأس المال في نظام العمل 24 ساعة في اليوم. وبالطبع فإنه لا ينبس ببنت شفة عن هذا النظام في شكله المتطرف، ويتغاضى عن تجاوزاته «القاسية التي لا تصدق» في تمديد يوم العمل. إنه لا يتحدث عن هذا النظام إلا في شكله «الاعتيادي».
إن أصحاب مصانع الفولاذ، السادة نايلور وفيكرز، اللذين يستخدمان ما بين 600 إلى 700 شخص، بينهم 10 في المائة دون الثامنة عشرة، ومن هذه النسبة ثمة فقط 20 ولداً دون الثامنة عشرة يعملون في مجموعة الوجبات الليلية، يفصحان عن آرائهما على النحو التالي: “إن الأولاد لا يعانون من الحرارة. ولعل درجة الحرارة تتراوح بين 86 إلى 90 درجة… إن المستخدمين يعملون ليل نهار على وجبات متناوبة عند المصهر وآلات التصفيح، ولكن بقية أقسام العمل تعمل نهاراً، أي من السادسة صباحا حتى السادسة مساء. وفي المصهر يجري العمل من الساعة 12 حتى الساعة 12. ويعمل بعض المستخدمين دوما، في الليل من دون الانتقال من عمل الليل إلى عمل النهار… ولا نجد أي اعتلال في الصحة” (صحة السادة نايلور وفيكرز؟) ما يميز أولئك الذين يعملون في الليل بانتظام، عن أولئك الذين يعملون نهاراً. ولعل بوسع الناس، عندما يتمتعون بفترة ثابتة معينة للراحة، أن يناموا نوماً أفضل مما لو كانت فترة الراحة هذه متغيرة… وثمة زهاء 20 ولداً دون الثامنة عشرة يعملون في الوجبات الليلية …. ولا يسعنا الاستغناء not do well)) عن تشغيل الفتيان دون سن 18 في عمل الليل. وأي اعتراض على ذلك سيفضي إلى زيادة تكاليف الإنتاج… فالعثور على مساعدين ورؤساء ماهرين لكل قسم من أقسام المصنع أمر عسير، أما الفتيان فيمكن الحصول على أي عدد منهم بيسر … وبالطبع فإن المسألة، أي: وضع القيود على العمل الليلي، ضئيلة الأهمية أو لا تعنينا كثيراً نظراً لضآلة نسبة الأولاد الذين نستخدمهم في هذا العمل” (8).

وفي مؤسسة السادة جون براون وشركاه للحديد والفولاذ، وهي مؤسسة تستخدم 3 آلاف عامل بين رجل وولد، ويجري جانب من عملها، أي أثقل أعمال الحديد والفولاذ، “في مناوبات نهارية وليلية”، نجد السيد ج. إيليس يصرّح قائلا: إنهم يستخدمون صبياً واحداً أو صبيين مقابل كل عشرين أو أربعين رجلا في أعمال الفولاذ الشاقة. وتستخدم المؤسسة 500 صبي دون سن 18، ثلثهم، أي 170 صبياً، دون الثالثة عشرة. ويقول السيد إيليس تعليقا على التعديل المقترح للقانون:

“لا أظن أن ثمة اعتراض كبير (very objectionable) على تحريم اشتغال من هم دون الثامنة عشرة أكثر من 12 ساعة في اليوم الواحد. ولكننا لا نظن أن بالوسع وضع خط فاصل يحظر تشغيل الأولاد ليلا ابتداء من سن الى 12 فما دون. غير أننا سنتقبل منعنا من استخدام أولاد دون الثالثة عشرة أو حتى أولاد في الرابعة عشرة من العمر، مفضلين ذلك على منعنا من استخدام الأولاد الذين نشغلهم الآن ليلاً. فالأولاد العاملون في وجبات النهار ينبغي أن يأخذوا دورهم في الوجبات الليلية أيضا، لأن الرجال لا يستطيعون العمل في الوجبات الليلية فقط، فذلك يدمر صحتهم… وعلى أي حال، نظن أن التناوب على العمل الليلي بين أسبوع وآخر – لا يلحق ضرراً بالصحة”.

على العكس من ذلك نجد أن السادة نايلور وفیکرز يرون، انسجاما مع مصلحة تجارتهم، أن أداء العمل الليلي بالتناوب مضر أكثر من العمل الليلي الدائم.

و”نحن نجد أن العمال الذين يزاولونه، يتمتعون بصحة طيبة شأن أولئك الذين يزاولون العمل النهاري فقط… إن اعتراضاتنا على حظر تشغيل الأولاد دون سن الثامنة عشرة في الليل، ترجع إلى ما يسببه ذلك من زيادة في النفقات، بيد أن هذا هو السبب الوحيد. (أية سذاجة – مصلحية – كلبية!). ونعتقد أن هذه الزيادة في النفقات سوف تكون أكبر من أن تحتملها أعمالنا (the trade)، إذا ما حرصنا على سيرها بنجاح. (يا له من كلام معسول!). فثمة شح في اليد العاملة هنا، وقد نواجه نقصاً فيها إذا ما طبق قانون كهذا”.
أي أن إيليس براون وشركاه قد يقعون فريسة مأزق مدمر يرغمهم على أن يدفعوا لقوة العمل قيمتها كاملة (9).

إن “مصانع سيكلوبس للفولاذ والحديد”، التي يملكها السادة كامیل وشركاه، تدار على النطاق الواسع نفسه الذي تُدار به مؤسسة جون براون وشركاه، آنفة الذكر. وقد سلّم مديرها الإداري شهادة مكتوبة إلى المفوض الحكومي، السيد وایت. وحين أعيدت إليه للمراجعة فيما بعد، وجد أن من المناسب إبقاء مسودة الشهادة طي الكتمان، غير أن للسيد وایت، على أي حال، ذاكرة حادة. وقد تذكر على وجه الدقة تماما أن السادة سیکلوبس (*1) يرون أن تحريم العمل الليلي للأطفال والصبيان “شيء مستحيل، لأنه يضارع إيقاف مصانعهم عن العمل”، رغم أن نسبة الأولاد بين المستخدمين عندهم لا تزيد عن 6% دون الثامنة عشرة، و1% دون الثالثة عشرة(10).

وبصدد الموضوع نفسه يقول السيد أي. أف. ساندرسون، وهو من مصانع ساندرسون إخوان وشركاه لتصفيح وصب الفولاذ في أتركليف:

“إن منع الأولاد دون سن الثامنة عشرة من العمل الليلي سوف يولد صعوبة كبرى، أكبرها زيادة التكاليف الناجمة عن استخدام الرجال عوضا عن الأولاد.. ولا أستطيع أن أخمن مقدار هذه الزيادة في التكاليف، ولكن من المرجح أنها لن تكون بقدر معقول يتيح للصناعيين زيادة سعر الفولاذ، وبالتالي فإن عبئها سيقع على كاهلهم، وبالطبع” [كذا] «فإن الرجال (ما أغرب هؤلاء القوم!) سيرفضون تحمل ذلك». إن السيد ساندرسون لا يعرف كم يدفع للأطفال، ولكن: “ربما يتلقى الفتيان الصغار من 4 إلى 5 شلنات كل أسبوع… إن نوعية العمل الذي يزاوله الأولاد يتناسب بوجه عام (“عام” «generally» لا تعني «دائماً» بوجه خاص) مع قواهم الجسدية، وبالتالي فإننا لن نجني أي مكسب من القوة الجسدية الأكبر لدى الرجال، فهذه لن تعوض الخسارة إلا في حالات قليلة جداً يكون فيها المعدن ثقيلا. ولن يستسيغ الرجال ألا يكون تحت إمرتهم أولاد، فالكبار سيكونون أقل طاعة. يضاف إلى ذلك أن على الأولاد البدء بتعلم المهنة في سن مبكرة. والسماح للأولاد بالعمل في النهار فقط لن يحقق هذه الغاية».. لم لا؟ لماذا لا يستطيع الأولاد تعلم المهنة في أثناء النهار؟ هيا، ما حجتك؟

“إن تناوب الرجال على العمل ليلا في أسبوع، ونهاراً في أسبوع آخر، سيفصلهم عن الأولاد نصف الوقت، وبهذا سيخسرون نصف الربح الذي يجنونه منهم. فالتدريب الذي يعطونه للصبي المتمرن يعتبر جزءا من الأجر المدفوع لقاء عمل الأولاد، مما يتيح للرجال الحصول على هذا العمل بسعر أدنى. إن كل رجل سوف يخسر نصف هذا الربح”.. بتعبير آخر إن السادة ساندرسون سوف يضطرون إلى دفع قسم من أجور العمال الراشدين من جيبهم الخاص عوضا عن تسديده من العمل الليلي للأولاد. وهكذا فإن ربح السادة ساندرسون سوف يهبط إلى حد معين، وهذا هو السبب الساندرسوني الوجيه الذي يفسّر عدم استطاعة الأولاد التدريب على المهنة في النهار (11). وعلاوة على ذلك، فإن العمل الليلي سوف يقع على كاهل الرجال الذين يحلّون محل الأولاد، وهذا ما لا طاقة لهم على احتماله. وبوجيز الكلام وفصيحه، ستكون المصاعب من الجسامة بحيث تفضي إلى التخلي عن العمل الليلي برمته. ويقول إي. اف. ساندرسون «إن هذا الأمر سيكون مناسباً بقدر ما يتعلق الأمر بصنع الفولاذ، ولكن!»، ولكن السادة يصنعون شيئا آخر غير الفولاذ. إن صنع الفولاذ هو مجرد ذريعة لصنع فائض القيمة. فأفران الصهر، وآلات التصفيح، إلخ، والأبنية والآلات، والحديد والفحم، وهلمجرّا، لها وظيفة تتجاوز التحول إلى فولاذ. إنها موجودة هناك لامتصاص العمل الفائض، وهي بالطبع تمتص خلال 24 ساعة أكثر مما تمتص في 12 ساعة. والواقع أنها تعطي آل ساندرسون، بنعمة الرب والقانون، صكّاً بوقت عمل عدد معين من الأيدي العاملة قيمته كل الساعات الأربع والعشرين من ساعات اليوم، وهي إنما تفقد طابعها بوصفها رأسمالا، وبذلك تنزل بآل ساندرسون خسارة محققة حالما تنقطع وظيفتها في امتصاص العمل. “وعندها، سيحل بنا قدر كبير من خسارة الآلات الغالية التي تهجع ساكنة نصف الوقت؛ وللحصول على المقدار نفسه من العمل الذي نستطيع الحصول عليه وفق النظام المعمول به حالياً، يتوجب علينا مضاعفة الأبنية والتجهيزات، مما يضاعف النفقات”.
ولكن لماذا يطالب آل ساندرسون هؤلاء بامتياز لا يتمتع به غيرهم من الرأسماليين ممن يقتصرون على تشغيل تلك الأبنية والآلات والمواد الخام خلال النهار، ويتركونها تهجع “ساكنة” في أثناء الليل؟

يجيب أي. أف. ساندرسون نيابة عن جميع الساندرسونيين قائلا: “حقا إن تلك المصانع التي تعمل خلال النهار فقط تُمنى بخسارة في الآلات، غير أن استخدام أفران الصهر يسبب لنا خسارة إضافية. فإبقاؤها موقدة يعني تبديداً في الوقود”، (عوضا عن تبديد الجوهر الحي للعمال الجاري الآن)، “وانطفاء النار هو خسارة في الوقت اللازم لإيقاد النار مجدداً وتسخين الفرن، في حين أن خسارة وقت النوم، حتى نوم أطفال في الثامنة، هو كسب من وقت العمل تجنيه عشيرة الساندرسونيين) كما أن هذه الأفران نفسها سوف تتضرر من تغير درجات الحرارة” (في حين أن هذه الأفران عينها لا تتضرر بشيء من تغيّر الأيدي العاملة ليل نهار)(12).

______________

(1) – لجنة استخدام الأطفال، التقرير الثالث، لندن، 1864، ص ۳۷، ۷، VI.
(2) – “في كل من سترادفورد شایر وجنوب ويلز، تستخدم فتيات ونساء في مناجم الفحم وعلى أكوام فحم الكوك، لا في النهار وحده بل في الليل أيضا. ووصفت هذه الممارسة، مراراً، في التقارير المرفوعة إلى البرلمان بأنها تقترن بشرور كثيرة مرذولة. فهاته الإناث العاملات مع الرجال، يصعب تمييزهن عن الذكور في اللباس، وهن ملطخات بالأوساخ والدخان، ومعرضات لانحطاط الأخلاق بسبب فقدان الاحترام للنفس، وهو ما ينجم عن مزاولة مهنة لا يجمعها بالأنوثة جامع”.
(المرجع نفسه رقم 194 ص 26، قارن ايضاً مع التقرير الرابع (1865) رقم 61، ص 13).
والوضع مماثل في صناعات الزجاج.
(3) – أشار أحد أرباب مصانع الفولاذ التي تستخدم الأطفال في العمل الليلي قائلا: “من طبيعة الأمور تماما أن الأولاد الذين يعملون ليلا لا يستطيعون النوم ولا التمتع بقسط مناسب من الراحة نهاراً، بل يعمدون إلى اللعب والجري هنا وهناك”. (المرجع نفسه، التقرير الرابع، رقم 63، ص 13). وعن أهمية نور الشمس لصيانة الجسم ونموه، يكتب أحد الأطباء قائلا: “إن النور بفعل فعله مباشرة في أنسجة الجسم فيمنحها المتانة والمرونة. وحين تفتقر الحيوانات إلى القدر الكافي من النور تصاب عضلاتها بالرخاوة وانعدام المرونة، وتفقد طاقة الأعصاب قوتها بسبب ضعف المحفزات، أما اكتمال جميع أنواع النمو فيبدو أنه يفسد… وبالنسبة للأطفال فإن تعرضهم لوفرة من النور خلال النهار، ولأشعة الشمس المباشرة خلال شطر منه، أمر شديد اللزوم لصحتهم. فالنور يساعد في توليد دم جدید حيوي، ويصلب الألياف منذ أن تتكون. ويفعل النور فعله في تحفيز أعضاء البصر، ويقوم عن هذا الطريق بتنشيط فعالية مختلف وظائف الدماغ”. ويكتب الدكتور و. سترينج، رئيس الأطباء في مستشفى ورشستر العام، والذي اقتبسنا الفقرة المذكورة أعلاه من مؤلفه حول الصحة (1864) (*)، يكتب في رسالة إلى السيد وایت، وهو أحد المفوضين قائلا: “سنحت لي في السابق فرص كثيرة في لانکشایر، لملاحظة عواقب العمل الليلي على الأطفال، وبوسعي القول دون تردد، خلافا لما يؤكده بعض أرباب العمل من مزاعم، إن الأطفال الذين تعرضوا لعمل الليل سرعان ما تدهورت صحتهم”.. (المرجع السابق، رقم 284، ص 55). إن تحول هذه المسألة إلى موضوع مثير للجدل الجدي، يبين بوضوح مدى تأثير الإنتاج الرأسمالي في الوظائف الدماغية، للرأسماليين وخدمهم (retainers).
(*) – و. سترينج، المنابع السبعة للصحة، لندن، 1864، ص 84.
(W. Strange, The Seven sources of health, London, 1864, p. 84).

(4) – المرجع السابق، رقم 57، ص XII.
(5) – المرجع نفسه، التقرير الرابع (1865) رقم 58، ص XII.
(6) – المرجع نفسه.
(7) – المرجع نفسه، ص XIII. وبالطبع فإن مستوى تعليم “قوى العمل”، هذه لا بد من أن يكون على النحو الذي يظهر في الحوارات التالية التي جرت مع أحد مفوضي التحقيق: جیریمیا هاینس وله من العمر 12 عامة – يقول: «أربع مرات أربعة تساوي ثمانية، وأربع اربعات (fours4) تساوي ستة عشر، والملك هو ذلك الذي يملك كل المال والذهب. عندنا ملك قيل إنه (ملكة) يسمونه الأميرة ألكسندرا. ويقال إنها تزوجت من ابن الملكة، وابن الملكة هو الأميرة ألكسندرا. إن الأميرة رجل».. وليم تيرنر عمره 12 عاماً – يقول: “لا أعيش في إنكلترا. أظن أنها بلد، ولكنني لم أكن أعرف عنها شيئا من قبل”.
جون موریس – عمره 14 عامة – يقول “سمعت من يقول بأن الله خلق العالم، وأن البشر غرقوا جميعاً ما عدا واحد، ويقال إن هذا الواحد طائر صغير”.
ولیم سميث – 15 عاماً – “الله خلق الرجل، والرجل خلق المرأة”.
إدوارد تایلور – 15 عاماً – “لا اعرف شيئا عن لندن”.
هنري ماثيومان – 17 عاماً – “سبق أن ذهبت إلى الكنيسة، ولكنني انقطعت عنها كثيراً في الفترة الأخيرة. يوجد إنسان يلقون المواعظ حوله واسمه يسوع المسيح، ولا أستطيع تذكر أسماء الآخرين، ولا أعرف شيئا عن هذا اليسوع. إنه لم يصلب، بل مات كما يموت الناس. ولكنه كان يختلف عن هؤلاء الناس من بعض النواحي، لأنه كان أكثر تقوی من بعض النواحي، والآخرون ليسوا كذلك”. He was not the same as other people in some ways, because he was religious in some ways, and others isn ‘ t

(المرجع نفسه، ص 15). “الشيطان شخص طيب. ولا أعرف أين يعيش”، “كان المسيح رجلا شريراً”، The devil is a good person.. I don ‘ t know where he lives. Christ was a wicked man. “هذه البنت تهجت كلمة الرب (God) بالمقلوب، فتلفظتها كلباً (Dog)، ولم تكن تعرف اسم الملكة”. (لجنة استخدام الأطفال، التقرير الخامس، 1866، ص 55، حاشية رقم 278). وهذا الوضع نفسه قائم في صناعات الزجاج والورق كما في صناعات التعدين التي سبق ذكرها.
ففي مصانع الورق، حيث يجري العمل بواسطة الآلات، فإن العمل الليلي هو القاعدة المعمول بها في كل الأعمال، عدا عملية فرز الخرق. وفي بعض الأحيان يمضي العمل الليلي دون انقطاع في مناوبات، على امتداد الأسبوع كله، ابتداء من ليل الأحد، عادة، وحتى منتصف ليل السبت اللاحق. والعمال الذين يزاولون العمل يكدّون 5 ايام لمدة 12 ساعة في اليوم الواحد، و18 ساعة في اليوم الأخير، أما عمال الوجبة الليلية فيعملون 5 ليال، مقدار 12 ساعة كل ليلة، و6 ساعات في الليلة الأخيرة كل أسبوع. وفي حالات أخرى، تشتغل كل وجبة 24 ساعة دون انقطاع بالتناوب فتعمل وجبة 6 ساعات يوم الاثنين و18 ساعة يوم السبت لاستكمال الساعات الأربع والعشرين. وثمة حالات أخرى يسود فيها نظام وسيط، يعمل فيه جميع العاملين في مصانع الورق الآلية من 15 إلى 16 ساعة كل يوم على مدى الأسبوع. وهذا النظام، كما يقول المفوض لورد يبدو أنه يجمع في آن واحد شرور مناوبات ال 12 ساعة وشرور مناوبات الأربع وعشرين ساعة. فالأطفال دون سن الثالثة عشرة، والفتيان ممن هم دون الثامنة عشرة، والنساء، يعملون جميعا بموجب نظام العمل الليلي هذا. وفي ظل نظام العمل لمدة 12 ساعة، يُرغم هؤلاء أحيانا على العمل ضعف المدة، أي 24 ساعة، بحجة تغيب من يحل محلهم. وتثبت الشهادات أن الأولاد والفتيات غالبا ما يؤدون عملا إضافياً، يمتد إلى 24 بل حتى 36 ساعة من كدح مرهق لا ينقطع لحظة. وفي “العمل المتواصل”، الرتيب لصقل الزجاج نجد فتيات في الثانية عشرة يعملن 14 ساعة في اليوم طوال الشهر دون أية استراحة أو توقف منتظم باستثناء مرتين أو 3 مرات، في الأكثر، من التوقف نصف ساعة لتناول وجبات الطعام. وفي بعض المصانع التي هجرت العمل الليلي تماما، نجد أن العمل يمدد بإفراط إلى حد مفزع و”ذلك يحدث غالبا، في أقذر الأعمال وأشدها سخونة ورتابة”. (لجنة استخدام الأطفال، التقرير الرابع، 1865، ص 38-39).
(8) – التقرير الرابع، إلخ، 1865، 79. ص XVI.
(9) – المرجع السابق، 80، ص 16-17.
(*1) – (Syklopen) تعني أيضا: «العمالقة». [ن.ع].
(10) – المرجع السابق، 82، ص 17.
(11) – “في عصرنا هذا، عصر التأمل والعقل، لا يستحق المرء أيما قيمة ما لم يكن قادرة على تقديم سبب وجيه يبرر به كل شيء، حتى لو كان أكثر الأشياء سوءاً وأشدّها اعوجاجاً. فما قد أفسد في هذا العالم، إنما أفسد لأكثر المبررات وجاهة”. (هيغل، الموسوعة، المجلد الأول، المنطق، برلین، 1840]، ص 249).
(Hegel, (Encyklopädie, Erster Teil, Die Logik, Berlin, 1840), p. 249).
(12) – لجنة عمل الأطفال، التقرير الرابع، 1865، رقم 85، ص 17. إن المفوض وایت يردّ على الهواجس الحذرة التي تعتري أصحاب مصانع الزجاج من أن انتظام وجبات الطعام أمر مستحيل ذلك لأن كمية الحرارة، التي تشعّها الأفران، سوف تشكل “خسارة محققة”، أو “ضياعاً”، غير أن رد المفوض وايت لا يشابه ردّ “أور”، و”سنيور”، وإضرابهما، ولا يشابه ردّ منتحلي آرائهم الألمان التافهين من طراز “روشر” وأمثاله، الذين يهتزّون تأثراً بـ “زهد” و”نكران ذات”، و”تقتير” الرأسماليين في إنفاق أموالهم الذهبية، وإسرافهم، على غرار تیمورلنك، بتبديد الحياة البشرية! يقول المفوض وايت: “إن قدراً معيناً من الحرارة، يفوق ما هو معتاد، قد يتبدد فعلا فيما لو ثُبّتت وجبات الطعام المنتظمة، غير أن الخسارة هنا، إن قُدّرت بالمال، لا تُضارع الخسارة في القوة الحيوية العاملة (The waste of animal power) الآن في مصانع الزجاج في المملكة، هذه القوة التي تتبدد من أولاد في طور النمو من جراء حرمانهم من الوقت الكافي لتناول وجبات طعامهم بهدوء، وحرمانهم من فاصل راحة لهضم الطعام فيما بعد، (المرجع السابق، ص 45). وهذا يجري في سنة 1865، سنة التقدم، وإذا تركنا جانبا عمل الأطفال في رفع الزجاج وحمله، فإن الطفل الذي يشتغل في ورشة صنع القناني والزجاج الصوّاني، يقطع خلال أدائه للعمل ما بين 20 – 15 ميلا (إنكليزية) كل 6 ساعات! وغالبا ما يستمر العمل من 14 إلى 15 ساعة! وفي العديد من مصانع الزجاج، كما في معامل الغزل في موسكو، يطبق نظام العمل المناوب، حيث تبلغ كل مناوبة 6 ساعات. إن أطول فترة مستمرة للاستراحة، خلال الأسبوع، لا تزيد عن ست ساعات من الاستراحة المتصلة، ولكن ينبغي أن يطرح منها الوقت الذي ينفقونه في الذهاب والإياب من وإلى العمل، والاغتسال، وارتداء الملابس، وتناول الطعام، مما يترك فسحة ضيقة جدة للراحة الحق، ولا يترك مجالا لتنشق الهواء النقي واللعب، اللهم إلا على حساب ساعات النوم الضرورية لأولاد يزاولون عملا مرهقاً في أماكن خانقة الحرارة … بل إن فترات النوم القصيرة عرضة للانقطاع، ما إن يعمد صبي للاستيقاظ إن كان الوقت ليلا، كما ينقطع النوم بالضجيج، إن كان الوقت نهارا.. ويورد السيد وایت حالات اشتغل فيها ولد 36 ساعة متوالية، وحالات أخرى يرهق فيها الأولاد في الثانية عشرة من العمر بالعمل حتى الثانية فجراً، وينامون بعدها في المصنع حتى الخامسة صباحا (أي 3 ساعات!) ليستأنفوا العمل في النهار كرة أخرى. ويقول تریمنهير وتوفنيل، واضعا التقرير العام: “إن مقدار العمل الذي يؤديه الأولاد والفتيان، والفتيات، والنساء، خلال وجبة عملهم الليلي او النهاري (spell of labour)، خارق للعادة بالتأكيد”. (المرجع السابق، ص 43-44) وفي هذه الأثناء قد يكون السيد رأس المال، في إهاب صاحب مصنع الزجاج، خارجاً في الهزيع الأخير من الليل، من ناديه الليلي، مضمخاً بـ “الزهد”، مترعاً بخمرة البورتو، وبخطى مترنحة يتجه صوب منزله، مترنماً كالأبله بنغمة رتيبة «البريطانيون، لن ولن يصبحوا عبيداً!» (!never shall be slaves Britons never,).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: الفصل الثامن