Home نظرية النبي المسلّح: الموقف من الفلاحين (4)

النبي المسلّح: الموقف من الفلاحين (4)

لا بد من التوقف قليلا عند الخرافة الستالينية التي فعلت الكثير لاقناع الناس بأن تروتسكي بخس الفلاحين قدرهم، ووقف منهم موقفا سلبيا، ولم يعطهم ما يستحقونه من موقع في العملية الثورية.
وبالطبع، لن يكون الرد على ذلك بإنكار إصراره منذ البدء على إعطاء الدور الاساسي للطبقة العاملة في ثورات العصر، حتى في عقر دار البلدان المتخلفة. كلا، إنما ما يجب إضافته. وقد أبرزه دويتشر في العديد من المرار، دون أن يضعه في سياق واحد – هو انه أولى الفلاحين بالغ الاهتمام، ورأى الاهمية القصوى لدورهم في العملية الثورية، وشدد على ضرورة التحريض في صفوفهم. ففي کرّاس، حتى 9 يناير، الصادر عام 1904 يستعرض تروتسكي القوى الاجتماعية التي ستشارك في الثورة القادمة، وإذ يؤكد أن المدينة ستكون المسرح الرئيسي للأحداث الثورية – كما حصل بالفعل – يرى أن البروليتاريا المدينية لن تقرر لوحدها النهاية، بل يمثل الفلاحون «مستودعاً مهماً للطاقة الثورية». وعلى هذا الأساس، يدعو لنقل “التحريض الى الريف، من دون تفويت يوم أو فرصة واحدة”.
ومن موقعه في قيادة عمال بطرسبورغ وسوفييتهم، نراه فيما بعد يخاطب الفلاحين بالذات، مذكرا إياهم كيف جعل القياصرة منهم: “قطيع أقنان يقدمونهم هدية لخدامهم المخلصين، كما لو كانوا كلابا”، ليقول لهم بعد ذلك: «أيها الفلاحون، فليندلع الحريق في كل مكان، وفي الوقت ذاته، في كل أنحاء روسيا، ولن تكون أية قوة قادرة حينذاك على إطفائه».

وجاء البرنامج الذي استخلصه من تجربة ۱۹۰۰، بعد انتقاله إلى السجن في قلعة بطرس وبولس، كي يكون برنامج الثورة اللاحقة، يتضمن، بين ما يتضمن، “التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والشرائح الدنيا والشعبية من البورجوازية”.

لكن التصور الأكثر وضوحا وتبلور حول دور الفلاحين، إنما هو ذلك الذي ظهر في كتابه، نتائج وتوقعات، الصادر عام 1906، حيث عرض مفهومه للثورة الدائمة، ومن ضمنه رؤيته لموقع الفلاحين في تلك الثورة. في ذلك النص لم يستبعد إمكانية: «ائتلاف حكومي يضم الاشتراكيين وممثلي الفلاحين»، إلا أنه جزم بأن الدور الرئيسي سيكون لممثلي الطبقة العاملة الذين سيحددون، هم، مضمون سياسة ذلك الائتلاف، ويقرون، بين ما يقرون، وضع يد الفلاحين على الملكيات الكبرى. وبالتأكيد الاخير – يقول دويتشر- يمضي تروتسکی: “أبعد بكثير مما وصل اليه الاشتراكيون الروس حتى ذلك الحين … فإذا كان علينا أن نفهم التحالف مع الفلاحين بالمعنى الذي فهمه البلاشفة في عام ۱۹۱۷، وبعد ذلك التاريخ، يمكن أن نقول حينذاك أن تروتسكي دافع عن ذلك التحالف، في عام ۱۹۰۹” (1).

وفي معرض المقارنة بين صيغة لينين، «الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين»، وصيغة “ديكتاتورية البروليتاريا”، يخلص دويتشر الى الجزم: “سوف تثبت احداث ۱۹۱۷ تحليلات تروتسکی”.

ولقد أبرز دویتشر حقيقة بالغة الأهمية في إعادة الاعتبار لموقف تروتسكي الحقيقي من الفلاحين، إذ بيّن أن “السياسة الاقتصادية الجديدة”، (النيب) التي عرضها لينين عام ۱۹۲۱، وأقرها الحزب، لم تكن غير الخطة ذاتها التي اقترحها تروتسكي قبل ذلك بعام واحد على اللجنة المركزية، بعد أن لمس لمس اليد، في جولاته التفتيشية على جبهات القتال كمفوض لشؤون الحرب، الانعكاسات الكارثية لسياسة “شيوعية الحرب” على علاقة السلطة والحزب بالفلاحين. رأى يومذاك ضرورة وضع حد لمصادرة المحاصيل، وتشجيع الفلاحين على الزراعة وبيع فائض محاصيلهم بقدر من الربح، إلا أن لينين، واللجنة المركزية عموماً، وقفا في وجه ذلك الطرح. ويقول دویتشر إن هذه السياسة بالذات، التي عاد لينين فطرحها عام ۱۹۲۱، رفعت لها القبعات: «ولا تزال ترفع کومضة عبقرية لدى لينين، كمثل خارق لدى رجل دولة على القرار الشجاع والخالي من الدوغمائية». ويضيف بعد أسطُر أن الحادثة تظهر: إلى أي حد لا يمكن دعم الرواية الستالينية للتاريخ، التي تجعل من لينين صدیق الفلاحين، ومن تروتسكي عدوهم: “إن شهرة لينين كصديق للموجيك تستند قبل كل شيء إلى السياسة الاقتصادية الجديدة”.

___________

(1) – الفصل السادس.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الثورة الدائمة