Home نظرية النبي المسلّح: الثورة الدائمة

النبي المسلّح: الثورة الدائمة

 

و في الزنزانة التي انتقل اليها مباشرة من مقر سوفييت بتروغراد لعام ۱۹۰5، أول سوفييت في التاريخ، الذي كان يتولى قيادته، توقع تعميم ظاهرة السوفييتات في أية انتفاضة قادمة، واضطلاع سوفييت مركزي لعمال كل روسيا بالقيادة، بتكليف من مؤتمر قومي؛ كما استخلص من تجربة الخمسين يوما التي عاشها سوفييت ۱۹۰5 برنامج العمل للسوفييت المركزي القادم: “التعاون الثوري مع الجيش والفلاحين والشرائح الدنيا والشعبية من البورجوازية، إلغاء الحكم المطلق؛ تدمير الجهاز العسكري الخاص بالحكم المطلق؛ صرف قسم من الجيش وإعادة النظر الكاملة بالباقي؛ إلغاء الشرطة والجهاز البيروقراطي؛ يوم العمل من 8 ساعات؛ توزيع السلاح على الشعب، وعلى العمال بوجه خاص؛ تحويل السوفييتات الى جهاز حكومة ثورية مدينية، تشکيل سوفييتات فلاحية مكلفة بإنجاز الثورة الزراعية محلياً؛ انتخاب جمعية تأسيسية” (1).
هذا البرنامج، يقول دويتشر، “غدا فيما بعد برنامج ثورة ۱۹۱۷”.

وإذا كان الماركسيون، عموما، اعتبروا أن الثورة في روسيا في تلك الحقبة ثورة بورجوازية، وأنه “لن تستطيع الاشتراكية الثورية أن تستولي على السلطة وتجيب عن تطلعات الجماهير، إلى المساواة، إلا في مجتمع رأسمالي وصناعي حديث، ومع نمو الثروة والتوسع الاقتصادي الذي يؤدي اليه، فقد كانت فرادة تروتسكي ونبويته ذات القيمة السياسية الفذة في كونه رأى منذ تلك الفترة “ديمومة” الثورة، وشدد على أنه لما كانت الطبقة العاملة، تمسك بالتفوق السياسي فسيؤدي بها ذلك للانتقال بالثورة من الطور البورجوازي إلى المرحلة الاشتراكية، وذلك حتى قبل أن يستلم “الاشتراكيون السلطة في الغرب”. لقد كان اول من توقع، منذ عام ۱۹۰6، قيام روسيا السوفياتية، وذلك في عمله المعروف “نتائج وتوقعات”، الذي ذهب فيه إلى أنه «يمكن للبروليتاريا في بلد متأخر أن ستولي على السلطة بصورة أسرع مما في البلدان التي تكون الرأسمالية متقدمة فيها»، منطلقاً من الحجج المستخلصة من الأدبيات الماركسية الكلاسيكية، حول تعاقب الثورتين البرجوازية والاشتراكية، مؤكدا أن “الماركسية هي قبل كل شيء طريقة تحليل للعلاقات الاجتماعية، لا طريقة تحليل للنصوص” (2). وعلى هذا الأساس، ما انفك تروتسکی يجزم بأن الثورة الروسية ستكون الأولى التي ستنتصر، وستحفّز ثورات جديدة في كل مكان. وهو ما تم بالفعل.
وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى لم ينتظر تروتسكي طويلا ليستنتج أن الثورة ستولد من تلك الحرب. وينقل دويتشر کلام مؤلف سويسري مشهور هو ف. برويباشر ، الذي قال إن «الأمر لم يكن يتعلق لديه ببند إنشائي، بل بقناعة في غاية العمق »(3). وفي نص «الحرب والأممية»، الذي كتبه في زوريخ في بداية تلك المجزرة العالمية، أكد أن “على الاشتراكيين أن يحددوا هدفا لأنفسهم سلاماً ديمقراطياً من دون الحاق ولا تعويضات، سلاما يعترف بحق المصير للأمم الخاضعة؛ وهذا السلام لا يمكن أن تنتزعه إلا انتفاضة الشعوب المتحاربة ضد قادتها (4). وأتبع ذلك بصياغة تصورات أدق في أوائل ۱۹۱5، حين قال إن المستقبل لا يقدم لنا إلا خياراً واحداً: «إما الحرب الدائمة أو الثورة البروليتارية». ودعا في مواجهة الاشتراكيين الشوفينيين الخونة الذين دعموا الحرب إلى «تجميع قوى الأممية الثالثة».
إن القدرة الرؤيوية التي كانت تدفع به إلى التحديد الدقيق للخيارات المطروحة، وإلى استشراف المستقبل، وتعيين ملامحه ومنعطفاته، كانت تتلازم مع التبيان الواضح لما يجب فعله، وللأهداف التي ينبغي السعي وراءها. كل ذلك جعله أقدر من غيره على ان يكون في اللحظة المناسبة في موقع قيادة الحركة كلها، وهو أمر يصح بالنسبة لانتفاضة ۱۹۰5، كما يصح بالنسبة لثورة ۱۹۱۷. يقول دویتشر في معرض الحديث عن دوره في احداث ۱۹۰5.

“كان يجسد أعلى درجة من «النضج» بلغتها الحركة في يوم من الأيام على صعيد تطلعاتها الأكثر اتساعا: إذ حدد تروتسكي اهداف الثورة، ذهب أبعد بكثير مما ذهب في أي من الفترات مارتوف أو لينين، وهذا هو السبب في انه كان أقدر بكثير على لعب دور نشيط في الانتفاضة. قاده حسه السياسي الواثق للغاية، في اللحظات الحاسمة، إلى النقاط الحساسة، إلى مراكز الثورة ووجّه خطواته” (5).

بيد أن هذا الحس المرهف الذي تميز به، والذي كان يندفع به في رؤیا متفائلة للغاية بما يتعلق بسيرورة الثورة العالمية، التي توقع أن تشهد تسارعا عظيما، لا سيما في أوروبا الصناعية المتقدمة، بعد أن تتمكن الثورة من إحراز النصر في روسيا القيصرية، بدا بالنسبة للعقل العادي، غير الديالكتيكي، كما لسيئي النوايا والأعداء المعلنين لما مثله تروتسكي على الدوام من ارتباط جذري بالمفاهيم الثورية، ومن تطلعات ثابتة الى انتصار قضية الثورة بصورة شاملة، سواء على المستوى القومي، أو على المستوى الأممي، بدا -نقول- مجالا للتشفّي وتفريغ كل ما هنالك من حقد، دفين أو معلن، ومن سخرية سوداء، مذ تبين أن تلك التوقعات كانت مفرطة في التفاؤل، بما يخص العالم الصناعي المتقدم. لكن لم يتوقف أصحاب هذا الموقف الحاقد والساخر، والمنافق في الوقت ذاته، عند الأسباب الفعلية التي حالت دون التحقق الحرفي لما توقعه تروتسكي، والتي تمثلت قبل كل شيء بالصعود البيروقراطي المخيف في الاتحاد السوفياتي في ظل ستالين، وبفرض المذكور مفهومه حول “الاشتراكية في بلد واحد”، وتسخيره، بالتالي، الأممية الثالثة لخدمة هذا المفهوم، وطعن الثورة العالمية في الصدر كما في الظهر. ناهيك بما مثلته التجربة الستالينية من احباط لحركة الطبقة العاملة في العالم، ولا سيما في البلدان المتقدمة.
ودعونا، أخيراً، نترك دويتشر يلخص بنفسه تقويمه لتروتسكي نبيا، في الفصل الذي خصصه لمقولة «الثورة الدائمة». يقول:

“وإذا نظرنا إلى تحليلات تروتسكي بمجملها، يمكن أن نقول إنه نادرا ما رأی مُنظّرٌ سياسي نبوءاته تتحقق بصورة باهرة تارة، وطوراً تُحبط كلياً، – لتتبين صحتها في الأخير عن طريق دفق من الكوارث التاريخية الجديدة. وهذا يصح بوجه خاص بصدد تشخيصات تروتسكي التي تتناول الدفع الذي كانت ستعطيه روسيا للثورة العالمية، فأحداث السنوات اللاحقة سوف تلقي المزيد من الأضواء على ذلك باستمرار. ففي عام ۱۹۱۷ وما بعده بدأ انهيار العروش وقرقعة الهزات يؤكدان أقواله بدقة خارقة. ثم حين تراجعت الشيوعية في اوروبا وتقوقعت روسيا البلشفية، جاء دور فقد الاعتبار والسخرية؛ أصبح تروتسکی نبي العبث، نبي “المستحيل والباطل بشكل مکشوف”. ودار الدولاب. إن غداة الحرب العالمية والحرب الباردة بين الكتلتين هما اثبات بعد الممات لتنبؤاته..

“…. لكن مهما يكن البعد والفروق بين مجرى الأحداث الفعلي وذلك الذي رسمه تروتسكي بين ۱۹۰4 و۱۹۰6، فهو يظهر اليوم من جديد، في منتصف هذا القرن، كذلك الذي فُهم بشكل صحيح “مجرى الأشياء الجوهري”. أكانت رسالته تثير الهول أو الأمل، وسواء اعتبرنا صاحب تلك الرسالة البشير الملهم لعهد جديد فريد في التاريخ، من حيث سموه وانجازاته أو كنبي الكارثة والمصيبة، لا يسعنا إلا أن نتأثر بسعة الرؤيا وجسارتها. كان يحيط بالمستقبل کما یکتشف المرء من قمة جبل عالٍ أرضاً واسعة مجهولة يلاحظ في البعيد محاور توجهها الكبرى… فاذا قورنت النبوءات السياسية التي تنبأ بها أكثر معاصريه مآثر، وأكثرهم حكمة وتبصراً -ولا نستثني هنا لينين وبليخانوف- باللوحة التي رسمها في زنزانته بقلعة بطرس وبولس، لبدت خجلة ومرتبكة (6).

_____________

  • – الفصل 5
    (2) – الفصل ذاته.
    (3) – الفصل ۸.
    (4) – الفصل ذاته.
    (5) – الفصل 5.
    (6) – الفصل السادس.لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه: 

    النبي المسلّح:  لماذا «النبي»؟