Home نظرية النبي المسلّح:  لماذا «النبي»؟

النبي المسلّح:  لماذا «النبي»؟

 

إن الجامع بين عناوين الثلاثية التي كتبها دويتشر حول حياة تروتسكي، هو كلمة “النبي”: النبي الذي بدأ مسلحاً، وغدا أعزل، وانتهى منبوذاً. فلماذا ركز دویتشر على صفة النبوة لدى تروتسكي، وبم كانت تتجلى، وما طبيعتها والقيمة التي تنطوي عليها، والأهمية التي تتخذها بالنسبة لحركة التاريخ ولقضية الثورة العالمية؟.

إن النبوة هنا ليست طاقة سحرية ولا ظاهرة ماورائية غير مفهومة، ولا نتيجة الهام خارجي: هي القدرة على الاحاطة الشاملة بحركة الواقع، انطلاقا من ثقافة بالغة العمق، ومعرفة بحقائق الحاضر والماضي، تمتد إلى استشفاف المستقبل، لا عن طريق القياس المحض، بل عن طريق الرؤية السليمة والدقيقة للامكانات الفعلية القائمة وللاتجاه الغالب فيها، لكن ليس بالاقتصار على الجانب الموضوعي من الأمور، بل بربط هذا الجانب بالجانب الذاتي، وبالفعل الخلاق الذي تمارسه قوى الثورة، التي طالما كان تروتسكي في موقع القيادة منها. كل ذلك، مقروناً بالرؤية الصحيحة للأهداف وطبيعتها وإمكانات تحقيقها وطرق الوصول اليها، مع المبادرة في اللحظة المناسبة لوضع التصور النظري الصائب موضع التطبيق، بحيث تجتمع الريادة في الرؤية مع القيادة في العمل. وكان لذلك كله وزن عظيم ضاغط في عملية التغيير التي شهدتها روسيا، وبالتالي العالم، في هذا العصر.
انطلاقا من تلك المقدرة النادرة، تمكن تروتسكي في الغالب من التوقع الصحيح لمسار الأحداث، والتطورات والتحولات قبل وقوعها بزمن يتفاوت بعدا. وكان هذا التوقع يقترن، عند الاقتضاء، بالممارسة على طريق استنتاج أقصى درجات الفعالية والفائدة لصالح القضية الثورية. وكثيرة هي الحالات التي يشير اليها دويتشر، عابراً أو مركّزاً، وهي تبين تلك الشفافية الرائعة لدى تروتسكي.

لقد تحدث دويتشر مرارا عن تروتسكي، وهو يضع «خطط عمل» تصف ما سوف يحدث فعلا، وبشكل دقيق، بعد قليل أو حتى بعد سنوات طويلة، كما لو كانت عرضا للأحداث بعد وقوعها «لو لم يكن مشاراً إلى تلك الأحداث بصيغة المستقبل». هكذا كتب في تشرين الثاني / نوفمبر ۱۹۰4 کرّاسه، دو ۹ یانفارا (حتى 9 يناير)، الذي بين ما ورد فيه تأكيده أنه “لا الانتليجنسيا الليبرالية، ولا الطبقات البورجوازية هي التي ستوجه ضربة حاسمة للقيصرية، بل الشغيلة الصناعيون الاشتراكيون” (1).. والكرّاس بمجمله – يقول دويتشر- «يهتز بالشعور المسبق الظافر بأن الثورة وشيكة». أكثر من ذلك، لقد حدد تروتسکی بصفاء مذهل كيف أن الثورة ستبدأ بإضراب عام؛ وكانت تلك فكرة جديدة، لا فقط بالنسبة لروسيا المتخلفة، بل حتى بالنسبة لأمم الغرب الصناعية. وخطة العمل التي تصورها آنذاك هي وصف للثورة كما ستحصل بالفعل في “تشرين الأول / اوکتوبر ۱۹۰5، وفي شباط / فبراير ۱۹۱۷”. يقول دويتشر: “لم تكن «خطة العمل» تستلهم أي نموذج سابق … وهذا الوصف كان ينبثق من خيال ثوري وقاد حيث تمتزج الرومانسية بالواقعية بشكل وثيق. وبعض مقاطع هذا الكرّاس تبدو كما لو كانت أجزاء من عرض تروتسكي لأحداث ۱۹۰5 و۱۹۱۷ … حتى الشعارات هي تلك التي ستدوي عام ۱۹۰5 و ۱۹۱۷” (2).

____________

(1) – الفصل 4.
(2) – الفصل ذاته.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح – مقدمة الترجمة العربية