Home نظرية تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 4

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 4

“كان كل أعضاء المكتب، ولينين على رأسهم واقفين، يغنون، وكانت علامات الحماسة بادية على وجوههم، وأنظارهم تقدح بالشرر”. بهذه الكلمات شهد سوخانوف المتشائم، الذي كان يتأمل بإحساس ثقيل انتصار الآخرين. واعترف سوخانوف قائلاً: “كم أردت أن أنضم إليهم، وأن أمتزج معهم في الشعور الواحد ذاته، وفي المناخ النفسي الواحد، كم أردت أن أمتزج بهذه الكتلة البشرية وزعمائها. ولكني لا أستطيع”.

وانتشرت آخر كلمات اللازمة، ولكن المؤتمر بقي واقفًا، وقد تلاحمت الكتلة البشرية كلها، بعد أن حركتها عظمة العمل الذي كانت تعيشه. وكانت الأنظار كلها مركزة على شخصية قصيرة القامة، مربوعة، ذات رأس ضخم مستدير أصلع يغوص بين كتفيه، وعينين صغيرتين، وأنف دقيق، وفم واسع وذقن ثقيلة. ولم يكن أحد قد رآه منذ أربعة أشهر، حتى أن اسمه قد انفصل عن شخصيته الحية. ولكن كلا، إنه ليس أسطورة؛ فها هو وسط جماعته -وكم “من جماعته” الآن!- وهو يمسك بيده أوراق برقية السلم للشعوب. وأحس الجميع، حتى المقربون منه لأول مرة، والذين كانوا يعرفون مكانته في الحزب، أحسوا للمرة الأولى ماذا كان يعني لينين بالنسبة للثورة، والشعب، والشعوب. فهو الذي علمهم. وهو الذي رباهم. وانطلق صوت من أقصى قاعة المؤتمر ببضع كلمات تحية للزعيم. وبدا أن القاعة لا تنتظر سوى هذه الإشارة. عاش لينين! واختلطت المشاعر التي استحوذت على الجميع، والشكوك التي تغلبوا عليها، والاعتزاز بالمبادرة، والانتصار، والآمال الكبار، كل هذا اختلط بفورة بركانية من الاعتراف بالجميل والحماسة. وقد أشار سوخانوف المتشائم إشارة جافة: “لقد حدث ارتقاء في الأفكار لا جدال فيه… كانوا يحيون لينين، كانوا يصرخون “هورا” وكانوا يقذفون بقبعاتهم في الهواء. وأنشدوا النشيد الجنائزي تحية لضحايا الثورة. ومن جديد دوت عاصفة هائلة من التصفيق والصياح، وقذفت القبعات في الهواء”.

إن هذه الدقائق التي عاشها المؤتمر، سيعيشها الشعب بكامله في اليوم التالي ولكن بشكل أقل حدة. وقد كتب ستانكيفيتش في مذكراته قائلاً: “ينبغي القول بأن الحركة الجريئة للبلاشفة، وقدرتهم على اجتياز الأسلاك الشائكة، وتجاوز السنوات الأربع التي فصلتنا عن الشعوب المجاورة أحدثت من تلقاء ذاتها انطباعًا هائلاً”. وعبر البارون بودبرغ في مذكراته اليومية الخاصة عن هذا الشيء بصورة أقوى، ولكنها لا تقل وضوحًا عما كتبه ستانكيفيتش: “بدأت الحكومة الجديدة للرفيق لينين بإصدار مرسوم السلم الفوري… إنها ضربة عبقرية في الوقت الحاضر لجذب جماهير الجنود إليه. وقد لاحظت ذلك من المناخ الفكري لعدة أفواج زرتها اليوم. وقد أحدثت برقية لينين حول الهدنة الفورية التي تستمر ثلاثة أشهر، وعن السلم الذي سيعقبها، أحدثت هذه البرقية في كل مكان انطباعًا هائلاً وأثارت انفجارات من الفرح. لقد خسرنا الآن آخر فرصنا لإنقاذ الجبهة”. وأن ما يفهمه هؤلاء الناس عندما يتحدثون عن إنقاذ الجبهة التي خسروها هم بأنفسهم؛ هو سلامة مواقعهم الاجتماعية الخاصة فقط، وذلك منذ وقت طويل.

ولو أن الثورة وجدت روح الإقدام في ذاتها لاجتياز الأسلاك الشائكة في مارس (آذار) – إبريل (نيسان)، لكان بوسعها أيضًا، ولفترة من الوقت، أن توحد صفوف الجيش وتحقق تلاحمها، شريطة تخفيفه في الوقت ذاته إلى نصف أو ثلث تعداده، ولأنشأت بهذا الشكل موقعًا يتمتع بقوة استثنائية لتدعيم سياستها الخارجية. ولكن ساعة الأعمال الجريئة لم تدق إلا في أكتوبر (تشرين الأول) عندما لم يعد من الممكن التفكير أبدًا بإنقاذ أي جزء من الجيش، حتى ولو لفترة من الزمن. ولم يكن من واجب النظام الجديد أن يأخذ على عاتقه، تكاليف الحرب القيصرية فحسب، بل التبذير الذي مارسته الحكومة المؤقتة بطيش أيضًا. وكانت البلشفية هي القوة الوحيدة القادرة على إعادة البلاد إلى الطريق السوي، بفتح مصادر لا تنضب من الطاقة الشعبية بواسطة ثورة أكتوبر (تشرين الأول) في مثل تلك الظروف الرهيبة التي لا مخرج منها بالنسبة للأحزاب الأخرى.

واعتلى لينين المنصة من جديد، ومعه في هذه المرة الصفحات القليلة التي تشكل مرسوم الملكية الزراعية. وبدأ حديثه باتهام الحكومة المؤقتة والأحزاب التوفيقية التي قادت البلاد إلى الانتفاضة الفلاحية بمماطلاتها ومراوغاتها في مسألة توزيع الأراضي “هناك كذب ودجل رخيص فيما يقولونه عن النهب والفوضى في الأرياف. فأين ومتى ثار النهب والفوضى كنتيجة لتدابير عاقلة؟…” ولم يطبع مشروع المرسوم على عدة نسخ لتوزيعه، فقد كان لينين يمسك بين يديه المسودة الوحيدة، وقد كُتبت كما يقول سوخانوف في مذكراته “بصورة سيئة جدًا حتى أن لينين تردد وهو يقرؤها، وتشوش، ثم توقف عن القراءة نهائيًّا. وجاء أحد أفراد الحشد الهائل الذي تجمع حول المنصة لمساعدته. وترك لينين مكانه طوعًا، وترك الورقة التي لا تقرأ”. ولا تقلل هذه الصعوبات الصغيرة أبدًا في نظر البرلمان الشعبي، من عظمة ما تحقق.

وكان جوهر المرسوم سطران من المادة الأولى: “تلغى ملكية الأرض العقارية فورًا ودون تعويض”. وتنتقل ملكية الملاك العقاريين وكل أرضي الحكومة والأديرة والكنيسة بكل ما عليها من مواشٍ حية أو ميتة، مع أبنيتها وكل ملحقاتها، وتصبح تحت تصرف اللجان الزراعية في النواحي، وسوفييتات مندوبي الفلاحين في المراكز، إلى أن تتم تسوية المسألة الزراعية أمام المجلس التأسيسي. وتعفى أراضي الفلاحين المعدمين، وجنود القوزاق من المصادرة، وكان المرسوم مؤلفًا من ثلاثين سطرًا: وكان ضربة فأس لقطع العقدة الغوردوسية(3).

وأضيف إلى النص الأساسي تعليمات أوسع استمدت كلها من الفلاحين أنفسهم. وقد نشرت أزفستيا سوفييتات الفلاحين بتاريخ 19 أغسطس (آب) خلاصة 242 دفترًا أعطاها الناخبون لممثلهم في المؤتمر الأول لمندوبي الفلاحين. ومع أن خلاصة هذه الاقتراحات قد وضعها الاشتراكيون الثوريون(4)، إلا أن لينين لم يتردد عن إدخال هذه الوثيقة بكاملها وبكل نصوصها إلى المرسوم “بشكل توجيه عام لتحقيق الإصلاحات الزراعية الكبرى”. ويقول هذا الميثاق: “إلغاء حق ملكية الأرض إلغاءً تامًا”. “إن هبة التمتع بالأرض ممنوحة لكل مواطني الدولة الروسية… الراغبين باستثمارها بعملهم وبمساعدة عائلاتهم أو بشكل جماعي ما داموا قادرين على استثمارها”. وتتضمن الوثيقة أيضًا: “إلغاء العمل المأجور في الأرض”. “واستثمار الأرض بصورة متساوية، أي توزيع الأرض على عمال الأرياف، مع أخذ الشروط المحلية بعين الاعتبار، حسب معيار للعمل أو الاستهلاك”.

ولو بقي النظام البورجوازي على وضعه السابق، دون أن نتحدث عن ائتلافه مع الملاكين النبلاء، لبقي المختصر الذي صاغه الاشتراكيون – الثوريون خيالاً لا  يمكن تطبيقه، إلا إذا تحول إلى نوع من الكذب الواعي. ولكان غير قابل للتحقيق حتى في ظل حكم البروليتاريا. ولكن مصير هذا الميثاق تعدل جذريًّا، منذ أن عالجته السلطة بصورة جديدة. وأعطت الحكومة العمالية لطبقة الفلاحين مهلة للقيام بتحقيقات فعلية حول برنامجها المتناقض.

وفي أغسطس (آب) كتب لينين ما يلي: “إن الفلاحين يريدون أن يحتفظوا لأنفسهم بالملكية الصغيرة، وأن يحددوا معيارًا متساويًّا.. وأن يقوموا دوريًّا بعمليات تساو جديدة… وحسنًا، فليكن الأمر كذلك! فحول هذه النقطة لن يكون هناك أي اشتراكي عاقل في خلاف مع الفلاحين المعدمين. فإذا صودرت الأراضي، تقوضت سيطرة البنوك. وإذا صودرت الآلات والتجهيزات الزراعية، تقوضت سيطرة رأس المال أيضًا و… بما أن السلطة السياسية قد انتقلت إلى البروليتاريا، فإن الإجراءات الباقية… ستستلهم من التطبيق ذاته”.

وكان الذين لم يفهموا هذا الموقف الحاذق، والتربوي، كتدبير هام للحزب البلشفي إزاء الطبقة الفلاحية ومنهاجها الزراعي، كان هؤلاء يشكلون عددًا كبيرًا لا من الأعداء فحسب بل من الأصدقاء أيضًا. وقو ردت روزالوكسبمورغ مثلاً، بأن توزيع الأرض بالتساوي ليس فيه من الاشتراكية أي شيء. ولكن في هذا الموضوع أيضًا ليس لدى البلاشفة بالطبع أية أحلام. وعلى العكس، فإن بنية المرسوم ذاته تشهد على يقظة المشروع الحادة. ففي حين كان ملخص الدفاتر يعلن بأن الأرض، أرض الملاكين النبلاء وأرض الفلاحين، “أصبحت ملكًا لكل الأمة” فقد سكت القانون الأساسي على الشكل الجديد للملكية الزراعية. حتى أن على المشروع ذي الآفاق الواسعة أن يتوقف مذعورًا أمام واقع هو أن تأميم الأرض، وهو مبدأ اجتماعي جديد يتمتع بأهمية تاريخية عالمية، قد وضع بشكل توجيه أضيف إلى القانون الأساسي. ومع ذلك ليس السبب هو الإهمال في الصياغة. فقد كان لينين لا يريد خاصة تقييد الحزب بصورة أولية والسلطة السوفييتية، في مجال تاريخي لم يُكتشف بعد. وكان يجمع في موقعه هذا بين الجرأة النادرة التي لا نظير لها والحذر الكبير. ويبقى أيضًا أن نحدد بالتجربة كيف يفهم الفلاحون ذاتهم أن الأرض قد أصبحت “ملك الأمة بكاملها”. فبعد قيام الحزب بوثبة إلى الأمام، كان من الواجب تقوية المواقع؛ إذ ربما اضطر الوضع إلى التراجع، وكان توزيع أراضي الملاكين النبلاء على الفلاحين، الذي لا يشكل بحد ذاته ضمانة ضد الثورة المضادة البرجوازية، يستبعد على كل حال إعادة الملكية الإقطاعية.

ولا يمكن الحديث عن “الأبعاد الاشتراكية” إلا بشرط إقامة سلطة البروليتاريا والحفاظ عليها. بَيد أن الاحتفاظ بهذه السلطة لا يتم إلا بإعطاء الفلاح عونًا صادقًا في مشروعة الثوري. وإذا كان توزيع الأراضي يعزز الحكومة الاشتراكية سياسيًّا، فإنه كان مبررًا كل التبرير كإجراء فوري. وكان من الواجب أخذ الفلاح كما وجدته الثورة. فلا يمكن تعليمه من جديد إلا في ظل نظام جديد خلال عدة سنوات، وخلال عدة أجيال، بمساعدة تقنية جديدة، وتنظيم اقتصادي جديد، لا دفعة واحدة. ولم يكن المرسوم، ومعه ملخص الدفاتر يعني بالنسبة لديكتاتورية البروليتاريا الالتزام بأخذ مصالح العامل الزراعي بعين الاعتبار فحسب، بل يعني التسامح أيضًا بأوهامه كملاك صغير. وكان من الواضح مسبقًا أن هناك عددًا من المراحل والمنعطفات في الثورة الزراعية. ولم يكن التوجيه الملحق بالمرسوم هو آخر كلمة للثورة الزراعية. كان هذا التوجيه يمثل نقطة انطلاق فقط، قبل العمال احتلالها، وهم يساعدون الفلاحين على تحقيق مطالبهم التقدمية، ويحولون في الوقت ذاته دون قيامهم بخطوات خاطئة.

وقال لينين في تقريره ما يلي: “لا نستطيع أن نتجاهل قرار القاعدة الشعبية حتى ولو لم نكن متفقين معها بالرأي… إن علينا أن نعطي الجماهير الشعبية حرية العمل الخلاق التامة… وأخيرًا، وهذا هو المهم، على الطبقة الفلاحية أن تثق بشدة بأن ملكية النبلاء لم تعد موجودة في الريف، وأن على الفلاحين منذ الآن أن يقرروا كل شيء، وأن ينظموا وجودهم بأنفسهم” فهل هذا انتهازية؟ كلا إنه واقعية ثورية.

وقبل أن تنتهي الاحتفالات الترحيبية، قدم الاشتراكي – الثوري اليميني بيانيخ، الذي يمثل اللجنة التنفيذية الفلاحية، احتجاجًا صارخًا على الاعتقالات التي شملت الوزراء الاشتراكيين. وصرخ الخطيب ضاربًا المنضدة بيده بكل غضب “يتم في الأيام الأخيرة شيء ما. شيء لم نره من قبل في أية ثورة. إن رفيقينا أعضاء اللجنة التنفيذية؛ ماسلوف وسالازكين سجينان. ونحن نطالب بإطلاق سراحهما فورًا!” وتحدث مندوب آخر يرتدي معطف جندي بصوت مفعم بالتهديد “إذا ما سقطت شعرة واحدة من رأسيهما!” وبدا هذان الخطيبان أمام المؤتمر وكأنهما شبحان قادمان من العالم الآخر.

* * *

وكان السجناء البلاشفة في دفينسك عند اندلاع الانتفاضة حوالي 800 شخص، وكان عددهم في منسك 6 آلاف، وفي كييف 535، أغلبهم من الجنود. وكان في كافة أرجاء البلاد عدد كبير من أعضاء اللجان الفلاحية السجناء! وأخيرًا، فإن عددًا كبيرًا من مندوبي المؤتمر، بما في ذلك أعضاء المكتب، عرف بعد يوليو (تموز) الاعتقال في سجون كرنسكي. وليس من المستغرب أن سخط أصدقاء الحكومة المؤقتة لم يحدث في هذا المجلس أثرًا كبيرًا. وزاد الطين بلة أن مندوبًا مجهولاً من الجميع، وهو فلاح من إقليم تفير، طويل الشعر، يرتدي معطفًا من فراء خروف، وقف أمام المجلس وحي الحاضرين بأدب، منحنيًا نحو أركان القاعة الأربعة. وطالب المؤتمر باسم ناخبيه أن لا يتردد باعتقال لجنة أفكسانتييف التنفيذية كلها؛ “إنهم لا يمثلون الفلاحين، إنهم كاديت… ومكانهم في السجن”؛ وهكذا تجابهت شخصيتان: الاشتراكي – الثوري بيانيخ، وهو نائب محنك، يؤيد سلطة الوزراء، ويعادي البلاشفة ويحقد عليهم. وفلاح مغمور من تفير، حمل إلى لينين أحر التهاني باسم ناخبيه. إنهما يمثلان شريحتين اجتماعيتين، وثورتين متباينتين. لقد كان بيانيخ يتحدث باسم ثورة فبراير (شباط). على حين كان فلاح تفير يناضل من أجل ثورة أكتوبر (تشرين الأول). ورحب المؤتمر بالمندوب الذي يرتدي معطف فراء الخروف ترحيبًا حارًا. وخرج مبعوثو اللجنة التنفيذية وهم يطلقون الشتائم والتهديدات.

ويقول كاليغاييف بأن “مجموعة الاشتراكيين – الثوريين اليساريين استقبلت مشروع لينين وكأنه انتصار لفكرتها”. ولكن نظرًا لأهمية المسألة كلها، فإن من الضروري مناقشتها مطولاً في كافة المجموعات. وطالب أحد المتطرفين التابعين لأقصى يسار الحزب الاشتراكي – الثوري الذي تفتت، بإجراء تصويت مباشر “إن علينا أن نقدم التقدير والاحترام إلى الحزب الذي يطبق مثل هذا التدبير منذ اليوم الأول، وبدون ثرثرات عقيمة”. وأصر لينين على أن يكون تعليق الجلسة على كل حال قصيرًا إلى أبعد حد ممكن. أن أنباءً تتمتع بهذه الأهمية بالنسبة لروسيا، لا بُدَّ وأن تطبع منذ الصباح. وبدون تأخير!” لأن المرسوم الخاص بالمسألة الزراعية لا يشكل أساس النظام الجديد فحسب، ولكنه بالإضافة إلى ذلك أداة الانتفاضة التي ينبغي عليها أن تكتسب تأييد البلاد. وسمع جون ريد في هذه اللحظة صوتًا آمرًا يخترق الضوضاء السائدة في القاعة: “15 محرضًا إلى الغرفة رقم 17. فورًا! للذهاب إلى الجبهة!”.

وفي الساعة الواحدة صباحًا، حضر وفد من القطعات الروسية المتمركزة في بلاد مقدونيا مشتكيًا من أن هذه القطعات تعرضت للنسيان والإهمال من قبل الحكومتين اللتين تعاقبتا على بتروغراد، أن الدعم من أجل السلام والأرض يأتي من الجنود المتمركزين في مقدونيا؟ هذا هو الاختبار الجديد للحالة الفكرية التي يحملها جيش يعيش في هذه الحالة في ركن قصي من جنوب شرقي أوروبا. وأعلن كامنييف بعد ذلك مباشرة: بأن كتيبة راكبي الدراجات العاشرة التي استدعتها الحكومة من الجبهة، قد دخلت هذا الصباح إلى بتروغراد، وحذت حذو القطعات التي سبقتها، وأعطت تأييدها لمؤتمر السوفييت. وصفق الحاضرون طويلاً لهذا النبأ. وكان تصفيقهم دليلاً على أن تأييد القطعات المستمر لن يفقد أهميته في أية لحظة.

وأخذ المؤتمر بالإجماع وبدون مناقشة قرارًا ينص على أن من واجبات شرف السوفييتات المحلية منع عمليات التصفية الموجهة ضد اليهود أو أية مجموعة أخرى، من قبل أشخاص فاسدين. وما أن تم ذلك، حتى بدأ التصويت على مشروع القانون الزراعي. ووافق المؤتمر وسط جو من الحماس على مرسوم يضع حدًا لنظام القنانة، قاعدة قواعد المجتمع الروسي القديم. ولم يعترض على هذا القانون سوى صوت واحد، وامتنع ثمانية أعضاء عن التصويت. واكتسبت الثورة الزراعية شرعيتها منذ تلك اللحظة. وحصلت الثورة البروليتارية على دعم قوي.

وبقيت معضلة واحدة أخيرة وهي: تشكيل الحكومة. وقرأ كامنييف المشروع الذي أعدته اللجنة المركزية للبلاشفة. تُسلم إدارة مختلف شئون الدولة إلى لجان مهمتها تنفيذ البرنامج الذي أعلنه المؤتمر “بالتعاون الوثيق مع تنظيمات الجماهير العمالية، والعمال، والبحارة، والجنود، والفلاحين، والمستخدمين”. وتُركز السلطة الحكومية بِيد لجنة تضم رؤساء اللجان الفرعية الآنفة الذكر، وتحمل اسم “سوفييت مفوضي الشعب”. ويخضع نشاط الحكومة لمؤتمر السوفييتات، ولجنته التنفيذية المركزية.

ولتشكيل أول سوفييت لمفوضي الشعب، تم تعيين 15 مفوضًا من بينهم 7 أعضاء من اللجنة المركزية للحزب البلشفي، وكان لينين رئيسًا للحكومة، وريكوف مفوض الشعب للداخلية، وميليوتين للزراعة، ونوغين للتجارة والصناعة، وتروتسكي للخارجية، ولوموف للعدل، وستالين كرئيس للجنة القوميات، وسلمت شئون الحربية والبحرية للجنة تضم أنطونوف – أوفسينكو، وكريلنكو، وديبنكو، وتقرر تعيين شليابنيكوف على رأس مفوضية العمل، ولوناتشارسكي للتعليم، وألقيت مهمة التموين الصعبة المعقدة على عاتق تيودورفيتش، كما أُلقيت مهمة البرق والبريد على عاتق العامل غليبوف. ولم يتم في تلك الآونة تعيين مفوض الشعب للمواصلات، وترك الباب بذلك مفتوحًا للتفاهم مع منظمات عمال السكك الحديدية.

وكان هؤلاء المرشحون الخمسة عشر عبارة عن 4 عمال و11 مثقفًا. وهم جميعًا ممن ذاقوا مرارة سنوات السجن والنفي واللجوء. كما دخل خمسة منهم السجن في عهد الجمهورية الديمقراطية. ولم يكن رئيس مفوضي الشعب المقبل قد خرج من مخبئه الإجباري الذي لجأ إليه في ظل الديمقراطية إلا منذ عهد قريب. ولم يدخل كامنييف وزينوفييف مفوضية الشعب؛ إذ كان الأول يشغل منصب رئيس اللجنة التنفيذية المركزية الجديدة، على حين كان الثاني مكلفًا بتحرير الصحيفة الرسمية للسوفييتات. ويقول ريد: “وعندما تلا كامنييف لائحة أسماء مفوضي الشعب، انفجر التصفيق مرة تلو الأخرى بعد كل اسم، وخاصة بعد ذكر اسمي: لينين، وتروتسكي”، ويضيف سوخانوف إلى ذلك اسم لوناتشارسكي.

ووقف ضد التشكيلة الحكومية المطروحة آفيلوف ممثل الأمميين الموحدين، الذي كان من قبل بلشفيًّا، وغدا الآن محررًا لصحيفة غوركي. وألقي آفيلوف خطابًا طويلاً بهذا الصدد. وعدد بكل وعي الصعاب الجسيمة التي تنتصب أمام الثورة في مجالات السياستين الداخلية والخارجية. إن علينا “أن نلاحظ بوضوح شيئًا هامًا هو: إلى أين نذهب… وتنتصب أمام الحكومة المسائل القديمة نفسها وأهمها: مسألة الخبز، ومسألة السلم. وستنقلب الحكومة إذا لم تستطع حل هاتين المسألتين”. وتحس البلاد بنقص الخبز. وهو بين أيدي الفلاحين الموسرين. ولا يمكن تقديم أي شيء بديلاً عن الخبز، نظرًا لانهيار الصناعة بسبب نقص المحروقات والمواد الأولية. وتخزين القمح عن طريق استخدام التدابير القسرية أمر صعب علاوة على كونه بطيء وخطير. ولذا فإن من الضروري خلق حكومة لا تتمتع بتعاطف الفلاحين الفقراء فحسب، بل تتمتع بتعاطف الفلاحين الموسرين أيضًا. وهذا ما يتطلب ائتلافًا.

“ولكن تحقيق السلم أصعب من ذلك أيضًا” ولسوف لا تعطي حكومات الحلفاء ردًا على نداء المؤتمر الداعي لوقف إطلاق النار الفوري. وها هم سفراء دول الحلفاء مستعدون للرحيل. وستجد الحكومة المؤقتة نفسها معزولة. وسيبقى اقتراحها السلمي معلقًا. ولا تزال الجماهير الشعبية في البلاد المتحاربة بعيدة حتى الآن عن الثورة. وهناك احتمالان متوقعان: سحق الثورة بقوات الهوهنزولرن، أو عقد صلح منفرد. ولا يمكن أن تكون شروط السلام في الحالتين إلا شروطًا مجحفة بالنسبة لروسيا. ولا يمكن الانتهاء من كل هذه الصعوبات إلا بمشاركة “غالبية الشعب”. ولكن المأساة كامنة في انشقاق الديمقراطية، التي يود جناحها اليساري في سمولني خلق حكومة بلشفية بحتة، على حين ينظم جناحها اليميني في دوما البلدية لجنة السلامة العامة. ولا يتم خلاص الثورة إلا عن طريق تشكيل سلطة تضم الجناحين.

بمثل هذه الأقوال تحدث ممثل الاشتراكيين – الثوريين اليساريين كاريلين. وأكد بأن من المتعذر تنفيذ البرنامج الذي تم إقراره إلا بعد مشاركة الأحزاب المنسحبة من المؤتمر. والحقيقة “أن البلاشفة غير مسئولين عن انسحابهم”. لقد كان على البرنامج أن يوحد كل التنظيمات الديمقراطية. “إننا لا نود السير على سبيل عزل البلاشفة. لأننا نرى بأن مصير الثورة كلها متعلق بمصيرهم، وبأن ضياعهم يعني ضياع الثورة نفسها” فإذا كان الاشتراكيون – الثوريون اليساريون يرفضون مع ذلك اقتراح الانضمام إلى الحكومة، فإن خطتهم منبثقة من النية الحسنة: إنهم يودون الحفاظ على أيديهم حرة للتدخل بين البلاشفة والأحزاب المنسحبة من المؤتمر. “ويرى الاشتراكيون – اليساريون أن تدخلهم… يشكل في هذه اللحظة، مهمتهم الرئيسية. إنهم سيدعمون نشاط السلطة الجديدة خلال عملها لحل المسائل الملحة”، ولكنهم يصوتون مع ذلك ضد الحكومة المقترحة. وهذا يعني أن الحزب الفتى كان يشوش الأمور على قدر استطاعته.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 3