Home نظرية رأس المال:  (ج) النقد العالمي

رأس المال:  (ج) النقد العالمي

                                                        

 

حين يغادر النقد نطاق التداول الداخلي، يخلع أرديته المحلية التي يكتسيها كمعيار للأسعار وكعملة معدنية، وعملات صغيرة، ورموز للقيمة، ويعود أدراجه إلى شكله الأصلي کسبيكة من المعادن الثمينة. ففي التجارة العالمية تسبغ السلع على قيمتها تعبيرا شاملا. من هنا فإن شكل قيمتها المستقل يواجهها، في حالات كهذه، بهيئة نقد عالمي. وفي السوق العالمية وحدها، يكتسب النقد، إلى الحدود القصوی، طابع السلعة التي يكون شكلها الطبيعي هو الشكل الاجتماعي المباشر لتحقيق العمل البشري المجرد، وهنا

يتطابق نمط الوجود الفعلي للنقد مع مفهومه.
ففي ميدان التداول المحلي، ليس هناك إلا سلعة واحدة يمكن أن تصبح مقياسا للقيمة، فتغدو بالتالي نقداً. أما في الأسواق العالمية فثمة مقياس ثنائي للقيمة يبسط نفوذه، هو الذهب والفضة (1).
إن النقد العالمي يؤدي وظائف عديدة: وسيلة دفع شاملة، ووسيلة شراء شاملة، وتجسيد اجتماعي مطلق للثروة الشاملة (universal wealth). ووظيفته كوسيلة دفع في تسوية الموازين الدولية، هي الوظيفة السائدة. من هنا منبع شعار المذهب المركنتلي: ميزان التجارة (2). ويقوم الذهب والفضة بوظيفة وسيلة عالمية للشراء، بصورة أساسية وضرورية، في الفترات التي يضطرب خلالها التوازن المعتاد في التبادل المادي (الأيض) بين مختلف الأمم اضطراباً مفاجئاً. وأخيراً، يقوم النقد العالمي كتجسيد اجتماعي مطلق للثروة حيثما لا يتعلق الأمر بالشراء أو الدفع، وإنما يقتصر على نقل الثروة من بلد لآخر، وحيثما يعد هذا الانتقال بشكل سلع مستحيل الوقوع، إما بفعل الوضع في سوق السلع، أو بالغاية المتوخاة نفسها (3).

وكما يحتاج كل بلد إلى رصيد احتياطي من النقد للتداول الداخلي؛ كذلك يحتاج إلى احتياطي آخر للتداول الخارجي في الأسواق العالمية. إن وظائف هذه الكنوز المُدّخرة تنشأ، في جزء منها، عن وظيفة النقد كوسيلة للتداول ووسيلة للدفع في الداخل، وفي جزء آخر عن وظيفته کنقد عالمي (4). وللقيام بهذه الوظيفة الأخيرة يكون حضور السلعة النقدية الفعلية، أي الذهب والفضة بجسديهما، أمرا ضرورية، ولهذا يطلق سير جيمس ستیوارت على الذهب والفضة اسم النقد العالمي، (money of the world) تمييزاً لهما عن البدائل المحلية الصرف.
إن نهر الذهب والفضة ثنائي التيار في حركته. فمن جهة يتدفق من منابعه إلى كل أسواق العالم، فتمتصه مختلف مجالات التداول الوطنية، بدرجات متفاوتة، لكي يصب في قنوات التداول الداخلية التي يجري فيها النقد ويحل محل عملاتها الذهبية والفضية المتهرئة، ويقدم مادة لأصناف الترف أو يتحجر في شكل كنوز(5). وتنطلق حركة التيار الأول من تلك البلدان التي تبادل عملها الوطني، المتجسد في سلع، لقاء عمل البلدان المنتجة للذهب والفضة، الذي يتبلور في المعادن الثمينة. ومن جهة أخرى يتدفق الذهب والفضة جيئة وذهابا ، دون انقطاع، بين شتى مجالات التداول الوطنية، وتعتمد حركة هذا

التيار على التقلبات المستمرة في أسعار الصرف (6).
إن البلدان التي يبلغ فيها نمط الإنتاج البورجوازي درجة معينة من التطور، تقلّص الكنوز المكدسة في خزائن احتياطي المصارف إلى الحد الأدنى الذي تقتضيه هذه الكنوز کي تؤدي وظائفها الخاصة على خير وجه (7). وإذا استثنينا بعض الحالات، نجد أن تجاوز هذه الكنوز المدّخرة لمستواها الوسطي المعتاد بدرجة كبيرة، يدل على وجود رکود في تداول السلع، أو انقطاع في المسار المنتظم لاستحالات هذه السلع(8).





___________________

 

(1) – وهذا منبع السخف في كل تشريع يلزم المصارف الوطنية بأن تدخر الاحتياطي من ذلك المعدن

الثمين المتداول محلياً دون غيره. و”العوائق المسلية”، التي خلفها بنك إنكلترا لنفسه ، على هذا النحو، معروفة جيدة. وابتغاء الاطلاع على موضوع الحقب العظمى في تاريخ التغيرات النسبية التي طرأت على قيمة الذهب والفضة: راجع کارل مارکس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ص 136 وما يليها.

[إضافة للطبعة الثانية]: وقد حاول السير روبرت بیل، في قانون المصارف الذي وضعه عام 1844، التغلب على العوائق بأن يسمح لبنك إنكلترا أن يصدر اوراقاً نقدية مقابل احتياطي من سبائك الفضة على شرط أن لا يتجاوز الاحتياطي من الفضة، قط، ربع الاحتياطي من الذهب . وتقدر قيمة الفضة، لذلك الغرض، حسب سعرها السائد (بالذهب) في سوق لندن.
[إضافة للطبعة الألمانية الرابعة]: [ولكننا نجد أنفسنا من جديد، في حقبة تغير حاد للقيمة النسبية للذهب والفضة، فقبل 25 عاما خلت كان التناسب الذي يعبر عن قيمة الذهب إلى الفضة هو 1:15, ½  أما اليوم فهو تقريبا 1:22 ، وتواصل الفضة الهبوط قياساً إلى الذهب، وهذا في الأساس نتيجة لحدوث ثورة في نمط إنتاج هذين المعدنين. ففي السابق كان الحصول على الذهب يتم على وجه الحصر تقریباً، بغسل طبقات الرواسب الغرينية الحاوية على الذهب والناتجة عن تفتت صخور العروق الذهبية، وقد أضحت هذه الطريقة الآن قاصرة، وتراجعت إلى المؤخرة امام معالجة العروق المعدنية الكامنة في الحجر الصواني (الكوارتز)، وهي طريقة استخراج كانت مستخدمة قديماً ولكنها كانت تأتي بالدرجة الثانية من الأهمية، رغم أن القدماء كانوا يتقنونها جيداً. (دیودورس ، III، 14-12 ) ديودورس الصقلي، المكتبة التاريخية، الكتاب الثالث، 12 -14، شتوتغارت 1828، م 258 – 261].

زد على ذلك لم يقتصر الأمر على اكتشاف مكامن جديدة وهائلة من الفضة في أميركا الشمالية، في الجانب الغربي من جبال روكي ، بل تعداه إلى أن هذه ومناجم الفضة في المكسيك قد فُتحت على مصراعيها حقا بمد سكك الحديد، مما أتاح شحن الآلات الحديثة والوقود، واستخراج الفضة بكميات ضخمة وبتكاليف زهيدة. بيد أن هناك فرقاً كبيراً في الطريقة التي يوجد بها المعدنان في عروق الحجر الصواني (الكوارتز). فالذهب، في الغالب، صافٍ ولكنه مبعثر في الحجر الصواني بكميات متناهية الصغر. وينبغي لذلك طحن كتلة العرق برمتها واستخراج الذهب بعد ذلك إما بالغسل أو بواسطة الزئبق. وغالبا ما يثمر المليون غرام من حجر الصوان 1- 3 غرامات، ويندر أن يعطي 30 – 60 غراما من الذهب. أما الفضة فقلما يعثر عليها صافية، بيد أنها توجد في حجر صواني من نوع خاص يمكن فصله من العرق المعدني بسهولة نسبية، ويحتوي في الغالب على 40 – 90% من الفضة. كما أنها توجد، بكميات أقل، في خامات النحاس والرصاص، وهي معادن تستحق بذاتها العمل. ومن ذلك وحده يتضح أن العمل المبذول في إنتاج الذهب ينزع إلى الازدياد، على حين أن العمل المبذول في إنتاج الفضة قد تقلّص كثيراً، وهذا ما يفسر بصورة طبيعية تدني قيمة هذه الأخيرة. وكان لانخفاض القيمة هذا أن يعبر عن نفسه في انخفاض أعظم في سعر الفضة لو لم يتم تثبيت مستوى السعر بوسائل اصطناعية. غير أن مكامن اميركا الغنية بالفضة لم تمس بالكاد حتى اللحظة، وهكذا فإن الآفاق تشير إلى أن قيمة هذا المعدن ستواصل الانحدار ردحاً طويلا من الزمن. وثمة عامل آخر أعظم يساهم في ذلك أيضاً، وهو الانخفاض النسبي في الحاجة إلى الفضة من مواد الاستعمال العام ومواد الزينة واستبدالها بمعادن، کالألمنيوم، مطلية بالذهب والفضة، إلخ. وبوسع المرء، لذلك، أن يحكم على طوباوية فكرة نظام المعدنين التي ترى أن تسعيرة إجبارية عالمية سوف تعيد الفضة مجددة إلى تناسب القيمة القديم 15:1, ½ ، ولكن الاحتمال المرجح أكثر أن الفضة ستخسر وظيفتها النقدية أكثر فأكثر، في الأسواق العالمية. ف. إنجلز].

(2) – إن خصوم النظام المركنتلي، وهو نظام يعتبر تسوية فائض الموازين التجارية بالذهب والفضة هو هدف التجارة العالمية، يخطئون هم أنفسهم، في إدراك وظيفة النقد العالمي. وقد بيّنت، متخذاً من ریکاردو مثالاً، كيف أن مفهومهم الخاطىء عن القوانين التي تنظم كتلة وسيلة التداول لا تعكس سوى مفهومهم الخاطىء بالمثل عن الحركة العالمية للمعادن الثمينة. (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي 150 وما يليها). فعقيدته المغلوطة القائلة “إن الميزان التجاري غير المؤاتي لا ينشأ قط إلا عن وجود فیض غزير في العملة الجارية … وتصدير العملة سبيه رخص ثمنها، وهذا التصدير ليس نتيجة الميزان التجاري غير المؤاتي بل سببه(*) تلك العقيدة نجدها من قبل، لدي باربون: “إن الميزان التجاري، إن كان ثمة ميزان، ليس سبب تصدير النقد من أية من الأمم إلى الخارج، بل ينجم هذا التصدير عن اختلاف قيمة السبائك بين بلد وآخر”. (ن. باربون، المرجع المذكور نفسه، ص 59). أما ماکلوخ في كتابه أدب الأقتصاد السياسي، فهرس مصنف، لندن، 1845.

فيمتدح باربون على هذا السبق، ولكنه يتحاشی، بأدب جم، الأشكال الساذجة التي يكسو بها باربون فرضيته الخرقاء التي يقوم عليها “مبدأ وسيلة التداول”، [أو مبدأ جریان العملة «Currency Principle»] (**). إن غياب الروح الانتقادية الحق، بل وانعدام الأمانة في هذا الفهرس، يبلغان الذروة في المقاطع المخصصة لتاريخ نظرية النقد، ومردّ ذلك أن ماگلوخ، في هذا الجزء من مؤلفه، يتملق اللورد افرستون، المصرفي السابق لويد (ex-banker Loyd) الذي يسميه “الأمير المتوّج لرجال المصارف”، (facile wrinceyes argentariorum).

(*) –  يقتبس ماركس هنا من كتاب د. ريکاردو، ارتفاع سعر السبيكة دليل على اندثار قيمة أوراق

النقد المصرفية، الطبعة الرابعة، لندن، 1811.

(**) – مبدأ وسيلة التداول، أو بدا جریان العملة (Currency Principle): نظرية نقدية انتشرت على نطاق واسع في إنكلترا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهي تنطلق من النظرية الكمية للنقد، وكان ممثلو النظرية الكمية يرون أن أسعار السلع تتفرد بكمية النقد الموجودة في الجريان. وكان دعاة مبدأ العملة يريدون تقليد قوانين تداول المعادن. فالعملة (وسائل التداول) تشمل في رأيهم، إلى جانب العملة المعدنية، الأوراق النقدية المصرفية (البنكنوت). وكانوا يعتقدون بأن استقرار الجريان رهن بالتغطية التامة للأوراق النقدية المصرفية، وبذلك ينبغي تنظيم إصدارها طبقاً لاستيراد وتصدير المعادن الثمينة، وقد مُنيت بالفشل المحاولات التي قامت بها الحكومة الإنكليزية (قانون المصارف لعام 1844) بالإستناد إلى هذه النظرية، مما أثبت قصورها العلمي، وعدم أهليتها للأغراض العملية. [ن. برلين].

(3) – كما هو الحال مثلا، عند دفع المعونات والقروض النقدية لمواصلة الحرب، أو لتمكين مصرف معين من استئناف مدفوعاته نقداً، إلخ. فهاهنا يكون الشكل النقدي من القيمة هو المطلوب دون شكل آخر.

(4) – حاشية للطبعة الثانية: “لن اطلب، حقاً، أي دليل على جدارة آلية الاحتياطي المكتنز، في البلدان التي تتعامل بالمسكوكات المعدنية، لأداء أية وظيفة مرورية في دفع التعويضات العالمية من دون أية معونة محسومة من التداول العام، أكثر إقناعاً من السهولة التي اتمّت بها فرنسا،التي صحت لتوها من صدمة غزو أجنبي مدمّر، في ظرف 27 شهرا، تسديد غرامة إجبارية تناهز 20 مليون لدول الحلف، وقد دفعت جزءا كبيرا من المبلغ بمسكوكات معدنية دون أن تعاني أي انكماش أو تعطیل محسوس في جريان العملة المحلية، بل وحتى دون تقلبات خطيرة في سعر الصرف في البورصات”. (فولارتون، المرجع المذكور نفسه، ص 141)

[إضافة للطبعة الألمانية الرابعة: لدينا مثال ساطع أكثر بروزاً على السهولة التي تمكنت بها فرنسا ذاتها بين 1871-1873 من أن تسدد في ظرف 30 شهرا غرامة إجبارية تبلغ عشرة أمثال تلك، وقد دفع جزء كبير منها، بالمثل، بمسكوكات معدنية. ف. إنجلز].

(5) – “يتوزع النقد بين الأمم بشكل يتناسب مع حاجتها … نظراًً لأن أنواع المنتوجات تجتذبه». (لوترون، المرجع المذكور نفسه، ص 916) «إن المناجم التي تقدم الذهب والفضة باستمرار، تقدم ما يكفي فعلا لتلبية ما تحتاجه كل أمّة». (ج. فاندرلنت، المرجع المذكور نفسه، ص 40).

(6) – “ترتفع أسعار الصرف وتنخفض كل اسبوع، فتدور ضد أمّة من الأمم في بعض فترات السنة، وتدور لمصلحتها في فترات اخرى”، (ن. باريون، المرجع المذكور نفسه، من 39).

(7) – إن هذه الوظائف المختلفة عرضة للدخول في تنازع خطير بعضها مع بعض، منذ أن يتعين على

الذهب والفضة أن يؤديا أيضا وظيفة صندوق احتياطي لتحويل الأوراق النقدية المصرفية.

(8) – “كل نقد يتجاوز ما هو ضروري بصورة مطلقة للتجارة الداخلية، هو رأسمال ميت … ولا يجلب

ربحاً للبلد الذي يحتفظ به إلا إذا تم تصديره واستيراده عبر التجارة الخارجية…” جون بیللرز، أبحاث، إلخ، ص 13. (13 .John Bellers,Essay,etc., p) إذا كانت لدينا عملة معدنية تفيض عن الحاجة فماذا نفعل بها؟ يمكن أن نصهر اثقلها وزنا، ونحولها إلى أوانٍ فاخرة وصحون وأوعية من ذهب وفضة، أو نصدرها كسلعة إلى حيث تكون مرغوبة أو مطلوبة، أو نقرضها بفائدة حيثما تكون الفائدة مرتفعة (وليم بيتي، شيء، قليل بخصوص النقد. “ما النقد إلا شحم الجسد السياسي، فالكثير منه يؤذي الرشاقة وخفّة الحركة، والقليل منه يورث المرض… وكما أن الشحم يزيت العضلات ويسهل حركتها، ويغذي الجسم حين يعوزه الغذاء، ويملأ المواضع المجوفة ويسبغ على الجسم رونق الجمال، كذلك النقد في دولة من الدول، فهر ينشط عملها، ويطعمها من الخارج حين يصيبه القحط في الداخل ويسدد الحسابات… ويضفي على المجموع كله رونق الجمال، ولكنه يضفي الجمال بصورة خاصة على أولئك المحظوظين الذين يملكونه بكمية وافرة”. وليم بيتي، التشريح السياسي لإيرلندا، ص 14-15).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: (ب) وسيلة الدفع