Home نظرية تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 4

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 4

احتل الثوار محطة وارسو في ساعات الصباح الباكر، ومطبعة بيرجيفييه فيديموستي (المعلومات المصرفية)، وجسر القصر الواقع تحت نوافذ غرفة كرنسكي ذاتها. وأمر مفوض اللجنة جنود فوج فولهينسكي، الذي كان مناوبًا، بإطلاق سراح عدد من الموقوفين حسب لائحة وضعها مجلس السوفييت. وحاولت الإدارة المختصة بالسجون الحصول على تعليمات من وزير العدلية، وكان لدى الوزير عمل آخر يقوم به في ذلك الوقت. وعين البلاشفة الذين أخلي سبيلهم، وكان من بينهم روشال زعيم كرونشتادت الشاب، في مراكز قتال فورًا.

وفي الصبيحة، أحضرت إلى سمولني مجموعة من اليونكرز اعتقلها النقابون في محطة نيقولا. وكان هؤلاء الطلاب الضباط قد ذهبوا من قصر الشتاء بسيارة نقل بغرض التموين. وروى بودفويسكي هذه الواقعة قائلاً: “وصرح لهم تروتسكي بأنهم أحرار شريطة أن يتعهدوا بعدم العمل ضد السلطة السوفييتية. وبوسعهم بالإضافة إلى ذلك العودة إلى مشاغلهم المدرسية. وقد ذهل هؤلاء الأطفال الذين كانوا يتوقعون اقتصاصًا دمويًّا منهم، بصورة يعجز التعبير عن وصفها”. فإلى أي حد كان التوسع في الاعتقالات الفورية عملاً صائبًا؟ إن هذا السؤال يغلفه الشك حتى الآن. فلم يكن الانتصار قد تحقق نهائيًّا، لأن اليونكرز كانوا يشكلون القوة الرئيسية للخصم. ومن ناحية أخرى، ونظرًا للتردد الذي كان يسود المدارس العسكرية، فقد كان من المهم إلى حد كبير إفهام اليونكرز بأن استسلامهم لرحمة المنتصرين لن يعرضهم لأي اقتصاص. وكانت الدوافع، في اتجاه توقيفهم أو إخلاء سبيلهم تبدو متوازنة إلى حد ما.

وفي الصباح اتصل الجنرال ليفيتسكي -(المرافق العسكري لكرنسكي) من وزارة الحربية التي لم يحتلها الثوار بعد- هاتفيًّا بالجنرال دوخونين في مقر القيادة العليا ونقل إليه ما يلي: “انضمت بعض عناصر من حامية بتروغراد… إلى البلاشفة. ووصل من كرونشتادت بحارة وطراد خفيف. وقد أصلحوا الجسور التي قطعت. والمدينة كلها مغطاة بمخافر حرس الحامية، ولكن ليس هناك أية تظاهرة (!) إن المقسم الهاتفي بين يدي جنود الحامية. ولا تحرسه القوات الموجودة في قصر الشتاء إلا شكليًّا، لأنهم صمموا أن لا يعملوا فعلاً. وهناك انطباع عام بأن الحكومة المؤقتة تجد نفسها في العاصمة وكأنها في عاصمة بلد معاد أنهى تعبئته العامة، لكنه لم يبدأ عدوانه”. إنها لشهادة عسكرية وسياسية لا تقدر بثمن! وفي الحقيقة، لقد استبق الجنرالات الأحداث عندما قال بأن عددًا من البحارة قد وصل من كرونشتادت؛ فهم لم يصلوا بالفعل إلا بعد عدة ساعات. وقد أعاد الطراد اورور حركة المرور على الجسر بالفعل. وكان الأمل الذي عبر عنه الجنرال في نهاية تقريره ساذجًا جدًا، وهو أن البلاشفة “الذين يملكون بالفعل منذ وقت طويل إمكانية التخلص منا جميعًا… إن هؤلاء البلاشفة لن يجرءوا على الرأي العام في الجبهة”. إن الأوهام حول الجبهة هو كل ما بقي للجنرالات الديموقراطيين في المؤخرة. وعلى العكس، ستدخل صورة الحكومة المؤقتة التي وجدت نفسها “في العاصمة وكأنها في عاصمة بلد معاد” ستدخل هذه الصورة التاريخ إلى الأبد كأفضل تفسير يمكن إعطاؤه لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت الاجتماعات مستمرة في سمولني. وكان بعض المحرضين والمنظمين، ومدراء المصانع، وقادة الأفواج، ورؤساء النواحي يظهرون في سمولني لمدة ساعة أو ساعتين، ولعدة دقائق أحيانًا بهدف الاطلاع على الأخبار، والتحقق من عملهم الخاص، ثم يعودون إلى مراكزهم. وكان هناك تجمع يعجز التعبير عن وصفه أمام القاعة رقم 18؛ حيث استقرت مجموعة البلاشفة في مجلس السوفييت. وكان الزوار الذين هدهم التعب والإرهاق ينامون مرارًا في قاعة الجلسات، وهم يسندون رءوسهم التي أثقلها النعاس إلى عمود أبيض، أو إلى جدار ممر من الممرات وقد ضموا بنادقهم بين أذرعتهم. وكانوا ينامون أحيانًا على الأرضية المبللة والقذرة. وكان لاشوفيتش يستقبل المفوضين العسكريين ويعطيهم آخر التعليمات. وكانت التقارير التي تصل من كل الأنحاء تتحول في مبنى اللجنة العسكرية الثورية في الطابق الثالث إلى قرارات: هنا كان قلب الانتفاضة يخفق.

وكانت مراكز النواحي لوحة مماثلة للوحة سمولني، ولكن على نطاق ضيق فقط. وقد تشكل معسكر كامل في حي فيبورغ، قبالة هيئة أركان الحرس الأحمر، على شارع بامبسونييفسكي؛ فقد ازدحمت أرضية الطريق بالعربات المجرورة، وبالسيارات الخفيفة، وبسيارات النقل. وازدحمت مؤسسات الحي بالعمال المسلحين. وكان مجلس السوفييت، ومجلس الدوما، والنقابات، ولجان المصنع كانت كل هذه التنظيمات تخدم الانتفاضة في هذا الحي. وحدث في المصانع، وفي الثكنات، وفي المؤسسات نفس ما حدث في كل العاصمة، ولكن على مقياس ضيق؛ كانوا يستبعدون البعض وينتخبون البعض الآخر، وكانوا يقطعون ما تبقى من أربطة قديمة، ويعززون ويُمَتِّنُون أواصر جديدة. وكان المتخلفون يصوتون على قرارات الخضوع للجنة العسكرية الثورية. وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يربضون عن بعد خائفين مع إدارة المصانع وهيئة الضباط. وكان الثوار يعطون معلومات طازجة في اجتماعات مستمرة، ويغذون الثقة القتالية، ويُمَتِّنون الاتصال. وكانت الجماهير البشرية تتجمع حول محاور جديدة. وكانت أطراف الانتفاضة تكتمل.

وقد حاولنا في هذا الكتاب خطوة أثر خطوة تعليم تحضير انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، الاستياء المتزايد للجماهير العمالية، والسوفييتات تضع نفسها تحت أعلام البلشفية، غضب الجيش، وانتفاضة الفلاحين على الملاكين النبلاء، فجور الحركة الوطنية، الخوف والاضطرابات المتزايدة لدى المالكين والزعماء، وأخيرًا المعركة في داخل الحزب البلشفي للانتفاضة. وبدت الانتفاضة التي أنهت كل شيء، بعد كل هذا، قصيرة جدًا، وجافة جدًا، وعملية أكثر مما يجب، وكما لو أنها لا تتجاوب مع اتساع النطاق التاريخي للأحداث. وقد أحس القارئ بنوع من زوال الوهم. وهو يشبه سائحًا في الجبل اكتشف فجأة أنه وصل إلى القمة أو قريبًا منها، مع أنه كان يتوقع أن يصطدم بأضخم الصعوبات. فأين الانتفاضة؟ إن اللوحة لم تنته. والأحداث لا تصنع لوحة. وتبقى العمليات الصغيرة المحسوبة والمحصرة مسبقًا متميزة عن بعضها بعضًا في المجال وفي الزمان. وهي مرتبطة بوحدة الهدف والتصور، ولكنها ليست مرتبطة أبدًا بوحدة المعركة ذاتها. فالجماهير الكبيرة ليست في العمل. وليس هناك صدامات مأساوية مع القطعات. وليس هناك من شيء يربطه الخيال المدرب حسب وقائع التاريخ بمفهوم الانتفاضة.

وقد أعطى الطابع العام للانتفاضة في العاصمة دافعًا لمازاريك فيما بعد ليكتب ما يلي: “لم تكن انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول).. حركة شعبية جماهيرية أبدًا. كانت من صنع الزعماء الذين عملوا من أعلى، وفي الكواليس”. وفي الحقيقة كانت هذه الانتفاضة أكبر انتفاضة جماهيرية في التاريخ كله. فلم يكن العمال بحاجة للخروج إلى الساحة لكي يندمجوا ويتلاحموا؛ فقد كانوا يشكلون بدون ذلك، سياسيًّا ومعنويًّا كلاً واحدًا. وقد مُنع الجنود أيضًا من الخروج من الثكنات دون إذن، وفي هذا المجال، تطابق أمر اللجنة العسكرية الثورية مع أمر بولكوفنيكوف. ولكن هذه الجماهير غير المرئية تحركت أكثر من أي وقت مضى حركة تتفق مع إيقاع الأحداث. ولم تفقد المصانع والثكنات الاتصال مع هيئات أركان النواحي، ولا فقدت النواحي الاتصال مع سمولني لحظة واحدة. واستشعرت مفارز الحرس دعمها من قبل المصانع. ووجدت مفارز الجنود، وهي تعود إلى الثكنة، قوة جاهزة لتبديلها. وقد استطاعت القوات الثورية الزحف وهي واثقة من الوصول إلى غاياتها لأنها تملك خلفها احتياطًا ضخمًا. وعلى العكس، امتنعت المخافر الحكومية عن فكرة المقاومة ذاتها لأنها مخافر مشتتة، مغلوبة على أمرها مسبقًا بعزلتها الخاصة. وكانت الطبقات البرجوازية تتوقع المتاريس، وأضواء الحرائق، وبحرًا من الدماء. وفي الحقيقة كان يسود هدوء أشد إرهابًا من كل هدير العالم. وتحركت الأرض الاجتماعية دون ضجيج، كمشهد دوار، وجلبت الجماهير الشعبية إلى المرتبة الأولى وجرفت أسياد الأمس إلى عالم آخر.

فمنذ الساعة العاشرة صباحًا من يوم 25، قدرت القيادة في سمولني إن بالإمكان إذاعة بيان الانتصار في العاصمة وفي البلاد؛ “لقد خلعت الحكومة المؤقتة. وانتقلت سلطة الدولة إلى أيدي اللجنة العسكرية الثورية”. وكان هذا التصريح سابقًا للأحداث بكثير في معنى ما. فالحكومة ما زالت قائمة، على أرض قصر الشتاء على الأقل. والمقر العام للقوات المسلحة الروسية ما زال قائمًا دومًا. ولم تُدل المناطق برأيها حتى الآن. ولم يفتتح مؤتمر السوفييتات جلساته حتى الآن. ولكن زعماء الانتفاضة لا يعملون كمؤرخين؛ فقد كانوا مضطرين إلى استباق الأحداث ليعدوا للمؤرخين حوادث يسردونها فيما بعد. لقد غدت اللجنة العسكرية الثورية في العاصمة سيدًا مطلقًا للموقف. ولم يكن هناك أي شك في تصديق المؤتمر وموافقته. وكانت المناطق تنتظر مبادرة بتروغراد. فللاستيلاء على السلطة الكاملة، ينبغي البدء بالعمل كسلطة. ودعت اللجنة في بيانها الموجه إلى التنظيمات العسكرية في الجبهة وفي المؤخرة الجنود إلى مراقبة سلوك القيادة بيقظة تامة، واعتقال الضباط الذين لا ينضمون إلى الثورة، ودعتهم أيضًا إلى عدم التردد باستخدام القوة عند محاولة إرسال أية قوات معادية للزحف على بتروغراد.

ووصل ستانكيفتيش من الجبهة في اليوم السابق، بصفته المفوض الرئيسي للمقر العام للقوات المسلحة الروسية، فلم يشأ أن يبقى عاطلاً عن العمل في مملكة السلبية والعفن، وحاول في الصباح إجلاء البلاشفة عن المقسم الهاتفي الذي يحتلونه. وقام بهذا العمل على رأس نصف سرية من اليونكرز التابعين لمدرسة الهندسة. وعرف اليونكرز، بهذه المناسبة، وللمرة الأولى بصورة خاصة من يحتل المقسم. وقد صاح الضابط سينيغوب وهو يصر على أسنانه قائلاً: “من هؤلاء ينبغي أن نتعلم القوة الفاعلة. ولكن أين يجدون مثل هذه القيادة؟”. وكان بوسع البحارة الذين كانوا يحتلون المقسم الهاتفي أن يبيدوا اليونكرر دون صعوبة بالرمي عليهم من النوافذ. ولكن الثوار بذلوا كل جهدهم لكي يتجنبوا إراقة الدماء. وأمر ستانكيفيتش من جهته بصورة مشددة بعدم إطلاق النار؛ حتى لا يتهم أحد اليونكرز بإطلاق النار على الشعب. وأمعن الضابط تأمله وقال: “ولكن ما أن يستتب النظام لصالحنا، فمن ذاك الذي يجرؤ أن ينبث بكلمة؟”. وأنهى تأملاته صائحًا: “مهرجون ملاعين”. وكانت هذه العبارة تمثل رأي هيئة الضباط في الحكومة. وأرسل سينيغوب، بمبادرته الشخصية، يطلب من قصر الشتاء قنابل وأكياسًا من البارود القطني. وفي غضون ذلك، اشتبك الملازم الأول الملكي بنقاش سياسي على عتبة الباب الكبير لمركز الهاتف مع ملازم ثان بلشفي، وعلى طريقة أبطال هوميروس، استهل الاثنان النزال بالتلاحي. وفيما بين هاتين النارين، اللتين لم تتجاوزا حدود الملاسنة الفصيحة، فرَّت عاملات الهاتف وقد استطارت فرقًا. فما كان من البحارة إلا أن صرفوهن إلى منازلهن. وأخذوا يتساءلون “ما هذا؟… نساء!….” وهرعت العاملات خارج المبنى وهن يطلقن صرخات هيستيرية. وروى سينيغوب ما يلي: “أصبح شارع مورسكايا المقفر فجأة مبرقشًا بالهاربات، والألبسة النسائية المزركشة، والقبعات الصغيرة”. وتهيأ البحارة لاستخدام الأجهزة الهاتفية بصورة جيدة. وظهر في باحة المركز الهاتفي سيارة مصفحة يركبها الحمر، لم يسيئوا أبدًا إلى اليونكرز المذعورين. واستولى اليونكرز على سيارتي نقل وسدوا باب المركز من الخارج. وظهر من ناحية شارع نييفسكي سيارة مدرعة ثانية، ثم ثالثة. واقتصر العمل كله على مناورات ومحاولات إرهاب متبادلة. وحسمت المعركة من أجل الاستيلاء على المركز دون استخدام البارود القطني، ورفع ستايكيفتش الحصار شريطة السماح لليونكرز بالمرور.

ولم تكن الأسلحة حتى ذلك الحين سوى علامة خارجية على القوة؛ فالطرفان لا يستخدمانها تقريبًا. واصطدمت نصف سرية ستانكيفيتش بمفرزة من البحارة الجاهزين لإطلاق النيران، وهي في طريقها إلى قصر الشتاء. وكان الخصمان يتوعد كل منهما الآخر بنظراته. ولم يكن أي طرف من الطرفين راغبًا بقتال الآخر؛ الطرف الأول يحس بقوته، والطرف الثاني يحس بضعفه. وكان الثوار، والعمال خاصة، يسارعون إلى نزع سلاح خصمهم عندما تلوح لهم الفرصة. وقد نزع الحرس الأحمر والجنود سلاح نصف السرية الثاني من هندسة اليونكرز بمساعدة السيارات المصفحة وأسروا أفرادها، بعد أن طوقوها. ومع ذلك، هنا أيضًا، لم يقع قتال: فلم يبد اليونكرز أية مقاومة. وحسب شهادة ستانكيفيتش: “وهكذا انتهت أول محاولة فعالة أعرفها لمقاومة البلاشفة”. وعزم ستانكيفيتش على القيام بعمليات خارج نطاق قصر الشتاء.

وعند الظهر، احتلت قطعات اللجنة العسكرية الثورية الشوارع بجوار قصر ماري. وقد كان أعضاء اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي قد وصلوا لتوهم للدخول إلى قاعة الجلسات. وحاول المكتب الحصول على آخر الأنباء، وحدث انهيار مفاجئ عندما علموا بقطع المواصلات الهاتفية. وتساءل مجلس الوجهاء والعمداء عن كيفية التصرف. وكان المندوبون يدندنون في زوايا القاعة. وجاء أفكسانتييف بأخبار مشجعة: لقد ذهب كرنسكي إلى الجبهة وسيعود فورًا ليسوي كل شيء. وتوقفت سيارة مصفحة أمام الباب الكبير. ودخل جنود من الفوج الليتواني وفوج كيكهولمسكي وبحارة مركب الحرس إلى المبنى، واصطفوا على طول السلم، واحتلوا القاعة الأولى. ودعا رئيس المفرزة المندوبين إلى مغادرة القصر فورًا. وروى نابوكوف قائلاً: “كان الانطباع مذهلاً”. وقرر أعضاء اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي أن يتفرقوا “وأن يوقفوا نشاطهم مؤقتًا”. وصوت 48 عضوًا من اليمين ضد الخضوع إلى العنف. وكان هؤلاء يعرفون أنهم سيبقون أقلية. ونزل المندوبون على السلم الرائع سلميًّا بين سياجين من حملة البنادق. وأكد هذا المشهد شهود العيان. وكتب الوطني الليبرالي نابوكوف قائلاً: “لم يكن هنا شيء مأساوي في كل هذا”. واستطرد يقول عن الجنود والبحارة الروس: “إنها دومًا نفس السحنات البليدة والغليظة، والقبيحة”. وفي الأسفل عند المخرج كان رؤساء المفارز يتحققون من الأوراق الشخصية ويدعون كل الناس يخرجون. وقد شهد ميليوكوف الذي أخلي سبيله مع آخر ممن أخلي سبيلهم قائلاً: “كنا نتوقع فرزًا لأعضاء اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي كما كنا نتوقع اعتقالات. ولكن هيئة الأركان الثورية كانت مشغولة باهتمامات أخرى”. لم يكن هذا فحسب؛ فهيئة الأركان الثورية لا تملك سوى تجربة قليلة. وكان الأمر الصادر يقول: اعتقلوا أعضاء الحكومة إذا كان بين الموجودين أحد منهم. ولكن لم يكن هناك بين الموجودين أحد من أعضاء الحكومة. وأخلي سبيل أعضاء اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي دون صعوبات، ومن بينهم، أولئك الذين أصبحوا فيما بعد منظمي الحرب الأهلية.

وقد عاش البرلمان الهجين الذي انتهى وجوده قبل انتهاء وجود الحكومة باثنتي عشرة ساعة ثمانية عشرة يومًا، وهي الفاصلة الزمنية بين خروج البلاشفة من قصر ماري إلى الشارع وغزو هذا القصر بواسطة جماهير الشارع المسلحة. وربما كان المجلس الجمهوري الروسي أغرب من كل عمليات تزوير التمثيل النيابي التي يزخر بها التاريخ.

وغادر الأكتوبري شيدلوفسكي المبنى المشئوم وهام على وجهه في المدينة كي يراقب المعارك: كان هؤلاء السادة يقدرون أن الشعب سوف ينتفض للدفاع عنهم. ولكن لم يحدث أي اضطراب. وبالمقابل، كان الرأي العام في الشوارع حسب رأي شيدلوفسكي – والرأي العام المختار لشارع نييفسكي يضحك ملء شدقيه. وكانت التعليقات كما يلي: “هل سمعتم: هل استولى البلاشفة على السلطة؟ لن يصمدوا فيها سوى ثلاثة أيام على الأكثر. آه! آه! آه!”. وقرر شيدلوفسكي البقاء في العاصمة “طيلة الوقت الذي تقدره الإشاعة العامة لحكم البلاشفة”. ومن المعروف أن الأيام الثلاثة امتدت فترة طويلة.

ولم يبدأ سكان شارع نييفسكي بالضحك بصخب إلا في المساء، وكان الخوف في الصبيحة كبيرًا جدًا حتى أن عددًا قليلاً من سكان الأحياء البرجوازية قد تجرأ على الظهور في الشوارع. وقد ركض الصحفي كنيجنيك في الساعة التاسعة صباحًا يبحث عن صُحفه في شارع كامينو – أوستروفسكي، ولكنه لم يجد باعة الصحف. وكان بعض الأفراد يروون وسط جمع صغير من الناس بأن البلاشفة قد احتلوا الهاتف خلال الليل، كما احتلوا البرق، والمصرف المركزي. وكانت دورية من الجنود تستمع إلى هذه الأقوال وأخذت ترجو هؤلاء الناس بعدم إحداث جلبة. “ولكن حتى بدون طلب لهذا، كان الجميع يلتزمون الهدوء التام”. وقامت مفارز عمالية مسلحة بالعرض. وسارت حافلات الترام كالعادة، أي ببطء. وقد كتب كنيجنيك حول موضوع شارع نييفسكي قائلاً: “استشعرت الضيق عندما لاحظت ندرة المارة”. وكانت المطاعم تقدم وجبات الطعام، ولكن زبائن المطاعم كانوا يفضلون القاعات الخلفية. وعند الظهر دوَّى المدفع الذي يعلن ساعة الظهر كعادته دون أن يقوى دويه أو يضعف، من أعلى سور قلعة بطرس وبولص، التي يحتلها البلاشفة. وكانت الجدران والأسيجة مغطاة بنداء إلى السكان يحذرهم من القيام بأية تظاهرة. ولكن هناك بيانات أخرى تعلن انتصار الانتفاضة. ولم يتسن للثوار الوقت الكافي للصقها، فكانت السيارات تقوم بتوزيعها على الناس. وكانت رائحة الحبر الطازج تفوح من الأوراق، كما تفوح من الأحداث ذاتها.

وخرجت مفارز الحرس الأحمر من أقسامها، العامل ومعه بندقيته، والحربة فوق قبعته أو قلنسوته، والنطاق على معطفه المدني. ولا تنفصل هذه الصورة عن تاريخ 25 أكتوبر (تشرين الأول) وكان العامل المسلح يوطد النظام في العاصمة التي احتلها لمصلحته بحذر ودون ضمانة أيضًا.

وأشاع هدوء الشوارع طمأنينة في القلوب. وبدأ السكان بالخروج من منازلهم. وفي المساء لوحظ وسطهم قلق أقل من القلق الذي كان سائدًا في الأيام السابقة. وتوقف العمل، في الحقيقة، في المؤسسات الحكومية والمصالح العامة. ولكن بقيت كثير من المخازن مفتوحة للزبائن. وأغلقت بعض المتاجر من تلقاء ذاتها بدافع الحذر والحرص لا بدافع الضرورة التي أملتها الأحداث. الانتفاضة! أين مظاهر الانتفاضة؟ هل هذه هي الانتفاضة؟ هل هكذا يثور الناس ويتمردون؟ إن حرس فبراير (شباط) هو الذي استبدل بحرس أكتوبر (تشرين الأول) بكل بساطة.

وفي المساء كان شارع نييفسكي مزدحمًا أكثر من أي يوم آخر بالجمهور الذي يعطي البلاشفة مهلة ثلاثة أيام في الحكم فقط. وما زال جنود فوج بافلوفسكي لا يوحون بالخوف لأي إنسان، مع أن خنادقهم حصنت بالآليات المصفحة وبمدفع مضاد للطائرات أيضًا. حقًا إن هناك شيئًا جديًّا يحدث حول قصر الشتاء، ولا يتيسر للمرء الذهاب إلى تلك الناحية. ولكن مع كل هذا لا يمكن أن تتركز كل الانتفاضة في ميدان القصر. وشاهد صحفي أمريكي شيوخًا يرتدون معاطف ثمينة مبطنة بالفرو يرفعون قبضاتهم المغلفة بالقفازات في وجوه جنود فوج بافلوفسكي، كما شاهد نساء أنيقات تمطرنهم بالشتائم. “وكان رد الجنود رقيقًا، وهم يبتسمون ابتسامات باهتة”. وكان هؤلاء الجنود يستشعرون الضياع في شارع نييفسكي الراقي، هذا الشارع الذي لم يكن قد تسمَّى بعد “شارع 25 أكتوبر (تشرين الأول)”.

وقد اندهش كلود آني أحد الصحفيين الفرنسيين شبه الرسميين في بتروغراد بصدق وقال ما يلي: إن هؤلاء الروس غير المتماسكين يقومون بثورة مخالفة لما قرأت في الكتب القديمة. “إن المدينة هادئة!”. واستعلم آني هاتفيًّا، واستقبل بعض الزوار في مكان إقامته، وخرج من منزله. وكان الجنود الذين قطعوا عليه الطريق على المويكا يسيرون بنظام حسن وكأنهم يسيرون “في ظل النظام القديم”. وكانت عدة دوريات تجوب شارع ميليونايا. وليست هناك طلقة بندقية واحدة. وكان الميدان الواسع لقصر الشتاء، في هذه الساعة من الظهيرة مقفرًا تمامًا. وكانت الدوريات تجوب المورسكايا والنييفسكي. ويتمتع الجنود بالنشاط، ويرتدون بزة نظيفة. ولدى إلقاء أول نظرة على هذه المفارز المتحركة تبدو وكأنها بالتأكيد قطعات حكومية، وفي ميدان قصر ماري فكر آني بالدخول إلى مقر اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، فأوقفه الجنود والبحارة “المهذبون جدًا في الحقيقة”. ووضعت حواجز ومتاريس مؤلفة من سيارات وعربات على الشارعين المؤديين إلى القصر. وقد تم كل هذا بأوامر سمولني. وأرسلت اللجنة العسكرية الثورية دوريات إلى كل أنحاء المدينة، ووضعت مخافر الحرس، وحلت اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، وأصبحت سيدة العاصمة، ووطدت النظام فيها “هذا النظام الذي لم يره أحد أبدًا منذ بدء الثورة”. وفي المساء أعلمت بوابة المنزل الذي كان يقطن فيه آني المستأجرين الفرنسيين بأن هيئة أركان السوفييتات قد وزعت أرقام الهواتف الضرورية في حالة الطوارئ لطلب النجدة من القوة المسلحة عند وقوع أي هجوم أو مصادرة مريبين. وأضاف آني يقول: “وفي الحقيقة، لم نكن محروسين في أي يوم مضى بصورة أفضل من حراستنا في تلك الفترة”.

وفي الساعة 2.35 بعد الظهر -كان الصحفيون الأجانب ينظرون إلى ساعاتهم، على حين لم يكن لدى الروس الوقت لإلقاء نظرة على ساعاتهم- افتتحت الجلسة فوق العادة لسوفييت بتروغراد بتقرير من تروتسكي، الذي صرح باسم اللجنة العسكرية الثورية بأن الحكومة المؤقتة أصبحت غير موجودة. وأضاف يقول: “قيل لنا بأن الانتفاضة ستغرق الثورة في أنهار من الدماء… إننا لم نُعلم بوقوع أية ضحية”. ونحن لا نجد مثلاً في التاريخ لحركة ثورية امتزجت بها مثل هذه الجماهير الهائلة وكانت بمثل هذه التكاليف البسيطة. واستطرد يقول: “لم نستول بعد على قصر الشتاء، ولكننا سنستولي عليه قريبًا”. وأظهرت الساعات الاثنتي عشرة القادمة أن هذه النبوءة كانت متفائلة جدًا.

ونقل تروتسكي للمجلس ما يلي: سيرت قطعات من الجبهة للزحف ضد بتروغراد. ومن الضروري إرسال مفوضين من السوفييت فورًا إلى الجبهة وإلى كل أنحاء البلاد لإعطاء المعلومات عن الانتفاضة التي تحققت. وانطلقت صيحات التعجب من اليمين الوافر العدد في المجلس، وكانت هذه الصيحات تقول: “أنتم تسبقون إرادة مجلس السوفييتات”. ورد تروتسكي قائلاً: “لقد تحدد إرادة المجلس سابقًا بانتفاضة العمال والجنود التي بدأت في هذه الليلة. والآن لم يبق أمامنا إلا أن نمد انتصارنا”.

ورسم لينين الذي ظهر للمرة الأولى علنًا منذ أن خرج من مخبئه السري، رسم باختصار منهاج الثورة: تحطيم جهاز الدولة القديم. وإنشاء نظام حكومي بواسطة مجالس السوفييتات. واتخاذ التدابير لإنهاء الحرب فورًا بالاعتماد على الحركة الثورية في البلدان الأخرى، وإلغاء ملكية النبلاء، وكسب ثقة الفلاحين بهذا الشكل، وإقامة الرقابة العملية على الإنتاج. وأضاف لينين قائلاً: “وعلى الثورة الروسية الثالثة أن تقود أخيرًا إلى انتصار الاشتراكية”.

الهوامش

  1. تس. ك: اللجنة المركزية، ب. س. ر: الحزب الاشتراكي – الثوري، س. د. مناشفة: الاشتراكيون الديموقراطيون المناشفة، س. د. بلاشفة: الاشتراكيون الديموقراطيون البلاشفة. (المعربان).

 

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 3