الخميس فبراير 02, 2023
الخميس, فبراير 2, 2023

هل كانت استعادة الرأسمالية سلمية؟

النظرية الماركسيةهل كانت استعادة الرأسمالية سلمية؟

 

 

تروتسكي قال إن استعادة الرأسمالية لا يمكن أن تتم إلا بطريقة دموية. وعلاوة على ذلك قال إن التفكير بطريقة سلمية لاستعادة الرأسمالية سيكون نوعا من “الإصلاح على الجانب الآخر”.

ولكن في الاتحاد السوفييتي السابق، استعادت البرجوازية السلطة وبدأت باستعادة الرأسمالية دون إراقة الدماء. هذه الواقعة التي سميت بـ “الاستعادة السلمية للرأسمالية” كانت بلاشك عنصر إرباك كبير داخل الحركة التروتسكية. لذا برز أولئك الذين تعلقوا، تقريبا بشكل متدين، بتكهنات تروتسكي، والذين يقولون حتى اليوم إنه لم يكن هنالك عنف ثورة مضادة، ما يعني أن الرأسمالية لم تتم استعادتها في الاتحاد السوفييتي السابق. من جهة أخرى، هناك أولئك الذين يقولون إنه كان هنالك استعادة للرأسمالية، وإن هذا يبين خطأ البرنامج التروتسكي.

علينا إجراء نقاش خاص حول هذا الموضوع فيما يتعلق بكل دول العمال السابقة التي تمت فيها استعادة الرأسمالية. ولكن، هل حقا تمت استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق دون عنف ثورة مضادة؟ هذا ليس صحيحا.

استعادة الرأسمالية في روسيا لا يمكن رؤيتها كحدث ظرفي، فقد كانت جزء من صيرورة تاريخية.

صراع الرأسمالية حول العالم من أجل استعادتها بدأ في اليوم الذي استولت فيه الطبقة العاملة على السلطة عام 1917. بداية كان عبر وسائل سياسية، وبعد ذلك عبر أخرى عسكرية. البرجوازية الروسية التي خلعت من السلطة شنت حربا أهلية كان لها الدعم السياسي والعسكري من غالبية القوى العظمى في العالم.

البرجوازية لم تتدبر استعادة الرأسمالية بالحرب الأهلية، ولكنها تركت الاقتصاد والطبقة العاملة شبه مدمرين، تماما كحزب البلاشفة لأن معظم كوادره ماتوا في ساحات المعارك. ومع انتكاسة الثورة العالمية، فتح هذا الطريق لظهور الستالينية، التي استولت على السلطة وقامت بسياستها حول التعاون الطبقي مع البرجوازية بارتكاب مجازر أكبر من تلك التي اقترفت خلال الحرب الأهلية.

ستالين قدم خدمات هائلة للبرجوازية، ولكنها لم تعتقد أنها كانت كافية. طالما أن حقوق رأس المال لم تتم استعادتها في الاتحاد السوفييتي، استمرت بالنظر إلى تلك الدولة كعدو لا يقبل المساومة. لهذا قام هتلر بغزو الاتحاد السوفييتي بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، والحلفاء فكروا بالشيء ذاته.

هتلر تمت هزيمته والحلفاء لم يتمكنوا من اجتياح الاتحاد السوفييتي بسبب الخوف من ردة الفعل التي قد تتولد عن هذا. بداية بين جنودهم. ولكن ستالين استثمر الهيبة التي اكتسبها العمال [كاسبو الأجور] والشعب الروسي في نضالهم المنتصر ضد النازية، واستخدمها ضد العمال أنفسهم. هكذا تم خلق ظروف الاستعادة “السلمية” للرأسمالية، والتي سلبت حياة أكثر من 50 مليون إنسان.

مسألة العنف للاستيلاء على السلطة

في أية حالة، حتى وإن تم فهم هذه العملية من وجهة نظر تاريخية، مازال هناك سؤال برسم الإجابة، لماذا لم تكن البرجوازية، عندما استعادت السلطة، بحاجة لاستخدام عنف ثورة مضادة؟ لماذا مضت من دولة عمال بيروقراطية إلى دولة برجوازية بطريقة “سلمية” في شباط – آذار 1986.

فيما يتعلق باستعادة الرأسمالية، قال مورينو (1986)، مشيرا إلى الصين، إن خطر العودة (إلى الرأسمالية) موجود، ولكنه يمكن أن يتحقق فقط عبر عملية سياسية: ثورة مضادة تعيد السلطة للبرجوازية والإمبريالية. المثال الأخير لمخروط أميركا اللاتينية الجنوبي واضح للغاية. في 1976 للتمكن من فرض خطة ماتينيز هوز، كان على البرجوازية الأرجنتينية اللجوء إلى انقلاب ودكتاتورية لإبادة طليعة الحركة الجماهيرية. انتقال السلطة من طبقة إلى أخرى يتطلب هذا النوع من الإضطرابات، ولكن على مستوى أكبر بما لا يقارن. تقديم العناصر الرأسمالية في الصين ولد ديناميكية ثورة مضادة، ولكن كان بإمكان البرجوازية العودة إلى السلطة فقط عبر ثورة مسلحة مضادة تحطم حراك الجماهير.

محتمل أن هذا المنطق منعنا من رؤية أن البرجوازية كانت قد استعادت السلطة في الصين منذ 1978 وبدأت باستعادة الرأسمالية في ذلك البلد. كما منعنا من رؤية أن البرجوازية في شباط- آذار 1986 كانت قد استعادت السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق وبدأت باستعادة الرأسمالية. في الصين ليس قبل أو بعد كانون الأول 1978، وفي روسيا ليس قبل أو بعد شباط- آذار 1986،لم يكن هناك قمعا معمما، لذا وصلنا إلى استنتاج أنه لم يكن هنالك تغيير نوعي. بهذا كانت التغيرات السياسية والاقتصادية التي حددناها تتم رؤيتها على أنها محاولات تحديث البيروقراطية أو كسياسة إصلاحية جديدة.

مورينو قال في 1986، إذا كانت العودة إلى مستوى النظام (من الديمقراطية البرجوازية إلى الدكتاتورية) تتطلب قمعا شديدا، لإعادة مستوى الدولة (من دولة عمال بيروقراطية إلى دولة برجوازية) فإن هذا القمع ينبغي أن يكون أكبر نوعيا. لأولئك الذين يتبعون أفكار تروتسكي يبدو هذا أمرا مسلما به. ولكن نحتاج إلى الوصول لكافة الإستنتاجات مما سبق وأن قلناه. استعادة الرأسمالية واقعة غير مسبوقة، وعندما حدثت كان بإمكاننا التحقق من نبوءات تروتسكي، والتي أثبتها الواقع في الجوهر، ولكن الواقع أثبت أن الأمر أغنى من تلك التكهنات.

تروتسكي تنبأ بشكل صحيح أن البيروقراطية إن بقيت في السلطة فإن استعادة الرأسمالية ستكون أمرا لا يمكن تجنبه. كان هنالك طريقين محتملين لاستعادة الرأسمالية، عبر حزب ثورة مضادة، أو عبر البيروقراطية ذاتها. في النهاية تنبأ بأنه لن تكون هناك استعادة سلمية للرأسمالية. ولكن تروتسكي قدم نبوءتين مختلفتين ومتناقضتين فيما يتعلق باستعادة الرأسمالية على يد البيروقراطية. وهذا تحديدا مهم اليوم لأن البيروقراطية كانت هي من استعاد الرأسمالية وليس حزب ثورة برجوازية مضادة. في الثورة المغدورة قال:

“البيروقراطية السوفييتية جردت البروليتاريا سياسيا.. وسائل الإنتاج تعود للدولة، ولكن يمكن القول إن الدولة “تعود” للبيروقراطية. إذا كان الأمر كذلك فإن استعادة الرأسمالية ستترسخ، لتكون هي القاعدة، ويتم تشريعها، سواء بوجود مقاومة من العمال أم لا. سيقومون على المدى البعيد بقيادة عملية تصفية كاملة للمكتسبات الإجتماعية للثورة البروليتارية”. (تروتسكي، 1991، ص 211).

لذا فإن تروتسكي سلط الضوء على فرضية أن البيروقراطية ستقوم باستعادة الرأسمالية “دون مقاومة” من قبل العمال، وهو ما حصل. ولكن في كتاباته اللاحقة وضع هذه التكهنات جانبا.

إيفان كرايبو في إحدى نقاشاته قال:

“لذا الرفيق تروتسكي تصور الاحتمال (في المستقبل) للانتقال دون تدخل عسكري من دولة العمال إلى دولة رأسمالية”.

تروتسكي رد بالقول:

“دون حرب أهلية منتصرة لن تتمكن البيروقراطية من ولادة طبقة حاكمة جديدة، تلك كانت وستبقى أفكاري”. (ليون تروتسكي، مرة أخرى: الاتحاد السوفييتي ودفاعه، 4 تشرين الثاني، 1937).

الواقع بين أن تروتسكي كان مخطئا حول هذا. ولكن عمل تروتسكي حول تحلل دولة العمال كان عبقريا لدرجة أن هذا الخطأ في تصوره يمكن فهمه فقط من أعماله الخاصة.

في عدة مناسبات تروتسكي[1] قالإنه كان هناك تشابه كبير بين الفاشية والستالينية، رغم الفرق من المنظور الطبقي. الفرق تمثل في أن البيروقراطية الفاشية والبيروقراطية الستالينية كانتا تقودان دولتين بأصول مختلفة تماما.

الدول الفاشية (ألمانيا وإيطاليا) كانت نتيجة انتصار الثورة المضادة. ودولة العمال كانت نتيجة الثورة. ولكن في كلتا التجربتين، الفاشية والستالينية، كان هنالك تشابه هام: بيروقراطية تعالت على المجتمع وامتلكت سلطة ديكتاتورية على كل المؤسسات والجماهير التي تقودها. بعبارة أخرى: إن الدول الفاشية والستالينية، المختلفة بالتصور الطبقي، لديها أنظمة متشابهة.

تروتسكي أولى أهمية كبرى لهذه المقارنة، مجادلا أولئك الذين يعتقدون أن الاتحاد السوفييتي لم يعد دولة عمال. قال إنهم لم يفهموا أن الاتحاد السوفييتي، دون سمته الطبقية، كان دولة فاشية. هل كان تروتسكي مبالغا بهذه المقارنة؟ لا نعتقد ذلك. سمة الفاشية كانت وسائل حربها الأهلية ضد العمال والشعب (ولا سيما طليعته). في هذا السياق تبين الأرقام أن الستالينية كانت مساوية أو أسوأ من الفاشية بهذا الصدد.

هكذا هو الأمر على الأقل عند المقارنة بالفاشية الإيطالية. حول هذه المسألة هناك معضلة أخرى هامة فيما يتعلق بهذا النقاش: كم من الوقت لبث الستالينيون (بعبارة أخرى الفاشيون) في الاتحاد السوفييتي السابق؟ حول هذا هنالك فرق بين الماركسيين الشرقيين وماركسيي الاتحاد السوفييتي السابق. في الشرق نتحدث عن الستالينية للإشارة إلى النظام الذي بدأ باستالين وانتهى بسقوط الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات. في الاتحاد السوفييتي السابق نشير إلى الستالينية كمرحلة بدأت بصعود ستالين إلى السلطة حتى موته، أو حتى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي.[2]

نعتقد أن المعايير التي استخدمها الماركسيون الشرقيون أكثر صوابا؛ لأن “الستالينية” أكثر من مجرد حكومة، إنها نمط نظام. لذا الصواب أن نقول إن الستالينية كنمط حكومة انتهت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، ولكنها استمرت كنظام (حزب أوحد) حتى بداية التسعينيات. هذا جدال هام لتحديد سمة النظام الذي كان موجودا في الاتحاد السوفييتي السابق عندما تمت استعادة الرأسمالية.

استنادا إلى هذا العمل لتروتسكي، من الأسهل أن نفهم لماذا تمت استعادة الرأسمالية “سلميا” في الاتحاد السوفييتي السابق. البيروقراطية لم تحتاج إلى انقلاب كانقلاب فيديلا في الأرجنتين؛ لأن لديهم أداة أفضل بكثير: نظام شبيه بالفاشية حطم الطبقة العاملة لعقود. لتأكيد مقارنة تروتسكي بين الفاشية والستالينية يجب أن نرى أن الفاشية هزمت فقط عبر التعبئة وعبر حرب عالمية. الستالينية، من جهة أخرى، تمكنت من تحطيم كافة الثورات التي واجهتها (ألمانيا الشرقية، وهنغاريا، وتشيكوسلوفاكيا، وبولندا)، وكان يمكن أن تتم هزيمتها فقط عبر تجربة غير مسبوقة للصراع الطبقي في العالم: ثورة أممية تعبر الدول الرئيسية لأوروبا الشرقية، يتعاطف معها معظم الجماهير حول العالم.

قلنا في البداية إن استعادة الرأسمالية كانت حدثا غير مسبوق، لذا نحتاج إلى دراستها، فقد طرحت مشاكل نظرية وبرامجية جديدة، قمنا بتفصيل إحداها للتو. الواقع يبين لنا، رغم كل تكهناتنا، أنه كان من الأسهل تغيير سمة الدولة (من عمالية إلى رأسمالية) أكثر من تغيير نظام (فاشي أو شبه فاشي إلى آخر برجوازي ديمقراطي).

[1]ايفان كرايبو (1911- 2001) كان تروتسكيا فرنسيا توسع في جدالات مع تروتسكي حول السمة الاجتماعية للاتحاد السوفياتي والبيروقراطية. كان ضد تروتسكي عندما قال إن الاتحاد السوفياتي استمر في كونه دولة عمال، وإن البيروقراطية لم تكن طبقة اجتماعية. كرايبيو قطع مع الحركة التروتسكية عام 1948.

[2] ستالين مات عام 1953، في 1956 تم عقد مؤتمر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي. في ذلك المؤتمر قدم نيكيتا خريتشوف، الأمين العام للحزب تقريره السري الذي أدان به جرائم ستالين.

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة الجزء الواحد والعشرون من خلال الرابط التالي:

استعادة الرأسمالية والثورة: المكان المناسب في الوقت المناسب

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles