الخميس فبراير 02, 2023
الخميس, فبراير 2, 2023

استعادة الرأسمالية والثورة: المكان المناسب في الوقت المناسب

النظرية الماركسيةاستعادة الرأسمالية والثورة: المكان المناسب في الوقت المناسب

كان هناك ارتباك كبير حول حقائق أحداث الشرق ووقت وقوعها. كثيرون فهموا أن تعبئة الجماهير واستعادة الرأسمالية كانتا جزء من نفس العملية، ولكن الأمر لم يكن كذلك.

الحقائق تبين أنه كان هناك أربعة أحداث كبرى منفصلة في وقت حدوثها. بداية، البرجوازية، عبر عملائها البيروقراطيين، قامت بالاستيلاء على السلطة. ثانيا، بما أنهم في مناصبهم، بدأوا بتفكيك ما تبقى من دولة العمال. ثالثا، بدأت الجماهير تعبئتها الكبرى ضد هذه الدول البرجوازية الجديدة وحكوماتها. رابعا، في معظم البلدان، الأكثر أهمية، تم إسقاط الأنظمة الستالينية، وظهرت أنظمة ديمقراطية جديدة.

الافتقار إلى الوضوح حول الفترات المختلفة لما يدعى “بالصيرورة الشرقية” كان، ومازال، منبعا لتشوش كبير. مناظرات لا تنتهي تم تنظيمها على خلفية الأحداث. وبشكل حتمي، برز تساؤل من وجهة نظر مصالح العمال، هل كان ما حدث في أوروبا الشرقية إيجابيا أم سلبيا؟

هذا النوع من الأسئلة يتضمن عموما ارتباكا في الإيمان بالتحشيد، وفي نضالهم ضد البيروقراطية وإسقاط ما تبقى من دول العمال. وكأنهم ألقوا بالرضيع مع ماء الحمام. ولكن الأمر لم يكن كذلك. قد يمكن أن يكون كذلك، فقد طرحت إمكانية ذلك في بولندا مطلع الثمانينيات، ولكن العملية لم تكن كذلك.

إذا ما تابعنا الأحداث من وجهة نظر تاريخية، نستطيع أن نرى أنه على مدار عدة عقود، كانت هناك عدة محاولات لإسقاط البيروقراطية. هذه المحاولات آلت إلى الهزيمة، البيروقراطية لم تتم تنحيتها عن السلطة، وهو ما قاد إلى استعادة الرأسمالية.

بلا شك، كان هذا الواقع سلبيا للغاية. بحد ذاته هو الشرح الأوفى لأزمة القيادة الثورية. إذا كان التاريخ قد توقف هناك، سنكون اليوم، على الأغلب، في مواجهة أحد أكبر الهزائم في تاريخ بروليتاريا العالم. ولكن التاريخ لم يتوقف هناك. بعد أن استعادت البرجوازية السلطة، خرجت الجماهير إلى الشوارع وأسقطت عملاءها، إلى جانب أنظمة الحزب الستاليني الواحد الدكتاتورية. من الواضح أن هذا أمر إيجابي.

إذا ما ادعينا تحديد نقطة الفصل في هذه الحركة، سنجدها بالإنتفاضة القومية في كازاخستان، في كانون الأول 1986. بعبارة أخرى بعد نحو سنتين من وصول “المجدد” غورباتشوف إلى منصب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفييتي، وبعد نحو سنة على بدء تطبيق “البيروسترويكا”. مكان هذه الأحداث في وقتها المناسب في غاية الأهمية كما سنرى لاحقا.

إسقاط الأجهزة الستالينية نصركبير للطبقة العاملة حول العالم، حتى أنه أعظم من الإنتصار على الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية.

الافتقار إلى قيادة ثورية جعلت إسقاط الأحزاب الستالينية يوصل الأنظمة البرجوازية الديمقراطية عوضا عن دكتاتورية بروليتاريا ثورية جديدة. ولكن هذا الواقع لا يمكن أن يقودنا للقول أننا أمام هزيمة. على العكس، وجود أنظمة برجوازية ديمقراطية جديدة هو تعبير عن نصر مشوه للجماهير. ولكن لماذا يتم عادة فهم الأمر بشكل معاكس من قبل التروتسكية المبدئية؟ لأنهم جزء من الفكرة الزائفة بأن الجماهير أسقطت دكتاتورية البروليتاريا البيروقراطية ووضعت مكانها نظاما برجوازيا ديمقراطيا، والأمر لم يكن كذلك. الجماهير أسقطت دكتاتوريات برجوازية، وهذا كان نصرا هائلا، ولكن للافتقار إلى قيادة ثورية، انتهى المطاف بالبرجوازية وعملائها بفرض أنظمة برجوازية ديمقراطية.

لهذا كانت ثورات سياسية منتصرة. ليست كتلك التي تنبأ بها تروتسكي لدولة العمال لأن تلك الدول لم تعد موجودة، ولكنها كانت مشابهة (في المحتوى وليس بالشكل) لتلك التي حدثت في أميركا اللاتينية بالثمانينيات. إنها ثورات سياسية، وليس اجتماعية. على أية حال، كانت دكتاتوريات، حيث ليس لدى العمال [كاسبوا الأجر] حرية، والآن هي أنظمة برجوازية ديمقراطية حصل في ظلها العمال [كاسبوا الأجر] على بعض الحريات.

الأمور التي نتجت مشوشة للغاية بسبب الحملة الأيديولوجية الشرسة من قبل الإمبريالية، وخلال معظم سنوات التسعينيات، استعادة رأسمالية مرتدة هامة كانت قد تبعت سقوط الأنظمة الستالينية. ولكن هذا الوضع سيتغير وهذا ينقل النقاش إلى مستوى جديد.

في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة، عادت جماهير أوروبا الشرقية إلى دائرة الفعل، وقد فعلت هذا انطلاقا من الانتصارات في الفترة الماضية، وليس الهزائم.

كان الأمر كذلك بالنسبة للتعبئة الهامة في ألمانيا، والتي وحدت عمال كلا القطاعين. وكان الأمر كذلك بالنسبة لتحشيد عمال المناجم البولنديين، مدعومين بالانتصارات المتحققة للتعبئة واحتلال وارسو. وكان الأمر كذلك أيضا مع التعبئة في بلدان الدكتاتوريات الستالينية الرأسمالية، حيث خرجت الجماهير، مدعومة بالانتصارات في البلدان الأخرى، إلى الشوارع لإسقاطها.

السياسة الاقتصادية الجديدة واستعادة الرأسمالية

وسائل النشر بينت مجددا صورة الشعب الروسي في الشوارع وهو يسقط تماثيل لينين. حاولوا أن يقولوا للعالم إن الإشتراكية فشلت! وإن العمال [كاسبوا الأجر] يطالبون بعودة الرأسمالية!

هذه الفكرة عبرت العالم وضربت اليسار بشدة، سواء اليسار الإصلاحي أو الثوري. داخل التروتسكية، كثير من المنظمات وصلت إلى استنتاج أن تروتسكي كان مخطئا تماما. الاتحاد السوفييتي لم يكن دولة عمال بيروقراطية لسنوات عديدة. ليس للعمال من هذه الدولة ما يدافعون عنه، لذا خرجوا إلى الشوارع مطالبين بعودة الرأسمالية.

في الواقع كان هناك الكثير من الارتباك. وعلاوة على ذلك كانت هناك قطاعات هامة من السكان أرادت العودة إلى الرأسمالية، ولكن ليس صحيحا أن معظم العمال [كاسبوا الأجر] يريدون هذا. يمكن للمرء رؤية هذا بمثال بسيط.

إذا كان صحيحا أن الجماهير يريدون عودة اقتصاد السوق، فإن البيروقراطية، التي قادت استعادة الرأسمالية كانت ستقول مرارا وتكرارا أن الرأسمالية هي الأفضل. ولكن هذا لم يكن خطاب البيروقراطية. العكس هو الصحيح. البيروقراطية استعادت الرأسمالية بخطاب مناهض لها، حول مصلحة العمال [كاسبي الأجور] والاشتراكية. غورباتشوف قال إن هدفه هو تعزيز الاشتراكية واستبدالها بنظام آخر. ما يعرض علينا، بالمعنى الاقتصادي، غير مقبول. (البريد الأممي، 1986).

كذبة الإمبريالية الكبرى، أن معظم العمال [كاسبي الأجر] يريدون عودة الرأسمالية، ثبتت بالإستطلاعات.

في 1990، قامت صحيفة روسية (مستجدات موسكو، 8 تمز، 1990) بالتوجه للسكان بالسؤال التالي: ما رأيك بتحويل الاقتصاد باتجاه اقتصاد السوق المطروح من قبل الحكومة؟ وكان الجواب 14% مع، و51% ضد، و35% بلا رأي. وبخصوص تماثيل لينين والتي افترض أن الناس أسقطوها، لا ضرورة لأي بحث أن هذا كان كذبة. تكفي زيارة روسيا لتجد عددا لا يحصى من تماثيل لينين في كل مكان. العديد منها تم سحبها بين ليلة وضحاها، ولكن من قبل البيروقراطية، وليس الناس. من جهة أخرى مازالت كل استطلاعات الرأي تبين أن معظم السكان يدافعون عن لينين بتبجيل.

رغم أن السكان لا يريدون عودة الرأسمالية، إلا أنهم لا يريدون استمرار النظام الدكتاتوري للحزب الشيوعي السوفييتي. هناك استطلاع آخر يبين هذا بوضوح. في 1990، سألوا السكان: مصالح أية جهة تمثلها سياسة الحزب الشيوعي السوفييتي؟ 85% أجابوا:  أجهزة الحزب، 11% أجابوا:  أعضاء الحزب، و2% فقط أجابوا:  الطبقة العاملة. (مستجدات موسكو، 18 تموز، 1990).

معارضة السكان لاستعادة الرأسمالية من جانب، ورفض البيروقراطية من جانب آخر، أعطى قواعد أساسية للسياسة المضللة والدوغمائية للبيروقراطية المؤيدة لاستعادة الرأسمالية.

نويل مورينو كان قد تنبأ بهذه المناورة البيروقراطية الداعمة لاستعادة الرأسمالية. في كتابه دكتاتورية البروليتاريا الثورية (1979) قال: إن البرجوازية الداعمة للرأسمالية لن تقوم أبدا بطرح إعادة المصانع لأصحابها السابقين، لأن هذه البرجوازية المؤيدة لاستعادة الرأسمالية لن تكون هي البرجوازية القديمة، بل الغالبية العظمى من التكنوقراط، والبيروقراطية، واورستوقراطية العمال، وأصحاب الكولخوز. هذه القطاعات تطمح بأن تصبح برجوازية، وعلى الأغلب ستطرح بأن لا تعود المصانع ملكا “للدولة التوتيوليتارية”، وأن تذهب إلى “أيادي العمال” كملكية للتعاونيات العمالية.

كان هذا تحديدا ما حدث. مثلا، في بولندا، خلال سنوات عديدة، خصخصة شركات الدولة تمت فعليا تحت نفس الكلمات التي تنبأ بها مورينو. كان الشعار: المصانع للعمال (كاسبي الأجور).

ولكن كذبة البيروقراطية لم تقتصر على هذا. خطابات ونصوص غورباتشوف كانت تشير دائما إلى لينين. مثلا، غورباتشوف قال: إن قائد ثورة أوكتوبر كان (…) مصدراً أيديولوجياً للبيروسترويكا.

ذات مرة سئل العقل المدبر للبيروسترويكا، الكسندر ياكوفليف (1991) لماذا يقتبسون من لينين كثيرا. لم يخجل من الإجابة بأنهم اذا استمروا اليوم بالاقتباس من لينين، ستكون لهم مصداقية مؤكدة أمام الرأي العام.

واستمرارا بذات النمط من المناورات، عندما لم تستطع البيروقراطية الداعمة لاستعادة الرأسمالية إخفاء علاقتها الوطيدة بالرأسمالية أكثر من ذلك، كانت الحجة الجديدة أنهم لا يسيرون باتجاه استعادة الرأسمالية، بل إنهم يقدمون تنازلات للرأسمالية، كتلك التي قدمها لينين منذ 1921 بالسياسة الاقتصادية الجديدة.

فعليا، البيروقراطية السوفييتية لم تكن مبتدعة. منذ 1978، بنفس هذا الخطاب، بدأت البيروقراطية الصينية باستعادة الرأسمالية في بلدها.

هذه الحجة (التي تستخدم حاليا من قبل فيديل كاسترو) تستخدم كمبرر وذريعة لليسار الإصلاحي لتبرير كل معايير البيروقراطيات المؤيدة لاستعادة الرأسمالية.

بين التروتسكيين، ولد هذا الجدال إرباكا هائلا. لذا بينما كان غورباتشوف يقول إنهم يقدمون تنازلات مثل [لينين] عام 1921، أراد مندل (1991) أن يكون “أكثر كاثوليكية من البابا”، فصرح بأن معايير غورباتشوف أقل أهمية من السياسة الاقتصادية الجديدة بإدارة لينين، وبأنها لن تقود إلى استعادة الرأسمالية.

هذه الحجة البارعة، التي استخدمتها البيروقراطية لاستعادة الرأسمالية، أربكت الثوريين والقطاعات التروتسكية المبدئية. في 1986، تم سؤال نويل مورينو (1986) هل يمكن مقارنة الاستدارة الصينية الراهنة بالسياسة الاقتصادية الجديدة؟ أجاب: نعم، ولكن سياسة اقتصادية جديدة بتنازلات أكثر جدية، ودون القيادة الديمقراطية للحركة العمالية التي كانت موجودة في الاتحاد السوفييتي بقيادة لينين وتروتسكي. في حالة الصين هي سياسة اقتصادية جديدة بقيادة بوخارين. بعبارة أخرى، بقيادة الجناح اليميني لحزب البلاشفة.

السمة الاجتماعية للدولة الصينية قضية جدلية للغاية. ولكن بالنسبة لنا، الذين نعتبر أن الصين لم تكن دولة عمال بيروقراطية منذ وقت طويل، من الواضح أن مورينو قد أخطأ.

ما حدث في الصين في 1986 لا علاقة له إطلاقا بالسياسة الاقتصادية الجديدة، لا لليسار ولا لليمين. لفهم هذا من الضرورة ملاحظة أن استعادة الرأسمالية بدأت في الصين وليس في الاتحاد السوفييتي. القفزة النوعية في الاتحاد السوفييتي منذ مؤتمر الحزب الشيوعي في شباط – آذار 1986، اتخذت في الصين في كانون الأول 1978، بالجلسة العامة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشر للحزب الشيوعي الصيني. منذ هذا الاجتماع تم تطبيق التحديثات الأربعة كنوع من البيروسترويكا المبكرة.

منذ 1978، لم يتم تقديم تنازلات للرأسمالية. على العكس، تمت استعادتها، وهذا شيء مختلف تماما.

السياسة الإقتصادية الجديدة للينين وتروتسكي كانت تعني تنازلات كبيرة للرأسمالية. مثلا، في الفترة الأولى لتلك السياسة، بقيت 38% من كل وسائل الإنتاج في يد القطاع الخاص. في الحقول وصلت النسبة إلى 96%. لكن هذه التنازلات للرأسمالية كان هدفها زيادة الإنتاج وتقوية دولة العمال، رغم أنها جلبت الكثير من المخاطر.

لينين وتروتسكي كانا مدركين لهذه المخاطر. علما ذلك مسبقا، ولم يختبئا. العمليات الاقتصادية التي كانت تتطور في بلدهما تضمنت هذه التناقضات، لأنهما كانا يقصدان الصراع بين النظامين – الاشتراكية والرأسمالية _ اللذين يقصيان بعضهما البعض. (تروتسكي، ن/ د، 2).

وفيما يتعلق بهذا الموضوع، تساءل لينين: من الذي سيهزم الآخر؟ ولكن دولة العمال، التي قدمت هذه التنازلات للرأسمالية، لم تكن محايدة في الصراع داخليا، لم تقف في صف الرأسمالية. لذا، كان للتنازلات حدود واضحة. مثلا، لم تؤثر أبدا على احتكار الدولة للتجارة الخارجية، وسيطرتها على البنوك. التجارة الخارجية كانت اشتراكية تماما، واحتكار الدولة لها كان مبدأ اقتصاديا غير قابل للمساومة، البنوك، وكل نظم الائتمان عموما، خضعت للإشتراكية 100%. (تروتسكي، ن/ د، 2).

“التنازلات” التي مضت بها الدولة بقيادة البيروقراطية الداعمة لاستعادة الرأسمالية، لا علاقة لها بهذا. كانت “تنازلات” تهدف إلى تفكيك دولة العمال. لذا، أنهوا بسرعة احتكار الدولة للتجارة الخارجية، والاقتصاد المخطط، وشركات الدولة. ولهذا فإن حجة المؤيدين لاستعادة الرأسمالية، بأنهم كانوا يقومون بما قام به لينين في السياسة الإقتصادية الجديدة، ليست أكثر من كذبة فجة موجهة إلى السكان الذين يريدون تجاوز الصعوبات الإقتصادية، ولكنهم لا يريدون العودة إلى الرأسمالية.

 

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة العشرون من خلال الرابط التالي:

استعادة الرأسمالية عصية على تجنبها/ 3


Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles