الخميس فبراير 02, 2023
الخميس, فبراير 2, 2023

استعادة الرأسمالية والثورة، سنوات من الارتباك/ 2

النظرية الماركسيةاستعادة الرأسمالية والثورة، سنوات من الارتباك/ 2

البرجوازية والاستيلاء على السلطة

بالنظر إلى حالة الاتحاد السوفييتي السابق، فإن أول خطأ نقترفه يكمن في عدم تحديد متى وكيف استعادت البرجوازية السلطة. كما سنرى لاحقا، فقد ولد هذا العديد من الأخطاء بل وحتى جدالات زائفة.

إن استعادة الرأسمالية، على نحو ما، حدث لإشارة معارضة لتجريد البرجوازية وبناء دولة العمال.

تجريد البرجوازية من أملاكها وبناء دولة عمال يعني ثورة في البنية الاقتصادية، ولكن تلك الثورة لم تبدأ من هذه البنية، بل من البناء الفوقي. ونفس الشيء حدث مع استعادة الرأسمالية، ولكن على العكس. إستعادة الرأسمالية تعني ثورة مضادة في البنية تبدأ من البناء الفوقي.

لا يمكن أن يكون هناك تجريد للبرجوازية وبناء لدولة العمال إذا لم تقم الطبقة العاملة بالاستيلاء على السلطة. وتماما كما هو في دولة العمال، لا يمكن أن يكون هناك استعادة للرأسمالية دون أن تستعيد البرجوازية سلطتها أولا.

عندما استولت الطبقة العاملة الروسية على السلطة، بقيادة البلاشفة، لم تبدأ بتجريد البرجوازية من أملاكها. بناء دولة العمال باحتكارها للتجارة الخارجية، وباقتصاد مركزي مخطط، وتجريد البرجوازية، كانت صيرورة استمرت لعدة سنوات، لكن لا يجادل أحد حول أنها بدأت في أوكتوبر 1917. هذا التاريخ كان الفصل بين النظامين القديم والجديد.

وذات الشيء حدث مع استعادة الرأسمالية، ولكن على نحو معاكس. كان هناك وقت بين استيلاء البرجوازية على السلطة ( أو بعبارة أخرى استعادتها للسلطة) وبين بدايتها في تقطيع أوصال ما تبقى من دولة العمال. وقد وصلوا إلى إنهاء احتكار الدولة للتجارة الخارجية، والاقتصاد المركزي المخطط، وملكية الدولة للأرض والشركات.

هذا استغرق الكثير من السنوات، حتى أنه مازال مستمرا إلى اليوم، ولكن هناك لحظة فصل نوعية، في شباط- آذار 1986.

1986، الرأسمالية العالمية تستعيد الاتحاد السوفياتي

 

في 12 آذار 1985 تم انتخاب ميخائيل غورباتشوف أمينا عاما للحزب الشيوعي السوفييتي. ومن منصبه هذا دشن، قوميا ودوليا، الأفكار الرئيسية التي ستولد لاحقا البيروسترويكا (إعادة التنظيم) والغلاسنوست (الشفافية).

نص البيروسترويكا كان مليئا بعبارات مشوشة وغامضة بشكل متعمد. ولكن الوقت سيتكفّل بكشف المحتوى الحقيقي لهذا المشروع، والذي كان محاولة لإنهاء التشوهات الاقتصادية عبر استعادة الرأسمالية. من جهة أخرى كان الغلاسنوست محاولة لإجراء إصلاحات سياسية في إطار الحزب الواحد للنظام الدكتاتوري.

ألكسندر ياكوفليف[1] (1991)، العقل المدبر للبيروسترويكا، لم يتردد في الاعتراف بأهدافها الحقيقية. قال إنهم إذا ما سمحوا للأساليب التي يعمل وفقها الاقتصاد السوفييتي بالاستمرار، فإن بلدهم ستتراجع عن كونها قوة اقتصادية للنظام الثاني، وفي نهاية القرن قد تسقط حتى إلى مستوى بلدان العالم الثالث الفقيرة. رغم أنهم لم يتعدوا كثيرا هذه الحدود، إلا أنهم بينوا رغم كل شيء توجهات تتطلب تغييرا جذريا في النظام الاقتصادي. طرحوا نموذج تطوير يوفر استقلالية مالية للشركات وحرية المبادرة لكسر حاجز المركزية أو تقليلها قدر ما أمكن. من جهة أخرى، فكروا في تنظيم الشركات المختلطة، ليس فقط في تعاونيات مع البلدان الاشتراكية وبلدان العالم الثالث، بل أيضا مع الدول الغربية. قال إنه بالنسبة لهم كانت هذه هي الإمكانية الوحيدة للاتحاد السوفييتي للإسهام في تقسيم العمل الدولي، والتبادلات الرأسمالية، والاستثمارات.. الخ. الحرية الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الحرية السياسية. كان لا بد من إلغاء احتكار ملكية الدولة. كان لا بد من طرح اقتصاد السوق بأسرع ما يمكن.

خلال بروز “التجديد” (كما كان يدعى في تلك السنوات) غورباتشوف، الذي وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي بدعم من غروميكو[2] والكي جي بي، [3]وغالبية البيروقراطية، كان أمام الفشل الاقتصادي المكرر، كان حساسا لطرح “التغييرات الجذرية” في الاقتصاد، بعبارة أخرى: استعادة الرأسمالية.

وكما أن الأمر لا يمكن أن يكون مختلفا، في تلك السنوات، بدأ غورباتشوف ينظر إليه على أنه “الفتاة الجميلة” من قبل كل القوى الإمبريالية، خاصة إدارة ريجان في الولايات المتحدة. المشروعان (البيريسترويكا والغلاسنوست) كانا نتيجة صافية لهجمة إقتصادية بأشكال ديمقراطية دشنتها الإمبريالية الأميركية الشمالية، والتي أطلقنا عليها مصطلح “ردة الفعل الديمقراطية”.

خلال العام 1985، كان غورباتشوف يتصرف كممثل لغالبية البيروقراطية والرأسمالية العالمية. كان عمله يقتصر على ترويج البروباغاندا لمشروعه. ولكن هذا الوضع تغير جذريا منذ 1986.

في شباط _ آذار لذلك العام، عقد المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي. وفي النهاية تم انتخاب لجنة مركزية جديدة. في السنوات ال 25 الماضية لم يسبق أن كان هناك مثل هذا التغيير العميق. سبعة وتسعون كادرا جديدا تم انتخابهم مع 22 بديلا بالتصويت. بعبارة أخرى 119 قائدا (لفريق “التجديد”) باتوا في اللجنة المركزية المكونة من 307 أعضاء، سبق لغورباتشوف أن ترك تأثيرا هاما عليهم.

منذ تلك اللحظة، شعر غورباتشوف أنه قوي كفاية للانتقال من البروباغاندا إلى الفعل. وبعد أشهر قليلة قام البرلمان، متبعا أوامر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، بالتصويت لسلسلة من القوانين الهادفة لتفكيك ما تبقى من دولة العمال واستعادة الرأسمالية. بعبارة أخرى، منذ شباط 1986، عبر غورباتشوف وجماعته، استعادت البرجوازية السلطة في الاتحاد السوفييتي.

وبحلول آب للعام 1986 بعد خمسة أشهر فقط على المؤتمر السابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، شرعت الحكومة بناء شركات مشتركة برأس مال أجنبي. وفي أيلول تم السماح بالعمل الخاص عبر قانون النشاطات الفردية.

في حزيران 1987 تم تبني قانون شركات الدولة، والذي انتهى إلى معونات الدولة المالية للشركات، والذي سمح لها أيضا بتولي التجارة الخارجية بحرية. وهكذا، كانت الضربة القاتلة قد وجهت للاقتصاد المركزي المخطط ولاحتكار التجارة الخارجية.

في أيار 1988، تم تبني قانون التعاونيات، ما أدى إلى تسهيل ظهور عدد هائل من الشركات الخاصة.في كانون الأول 1988 تم تبني مرسوم يسمح ببيع المنازل. وفي ذات السنة تم تبني قانون يتيح نشاط البنوك. في تلك الفترة تم حل وزارة التجارة الخارجية (المسؤولة عن احتكار التجارة الخارجية). في 1990 تم تبني قانون نشاط الشركات في روسيا الفدرالية، والذي حرر تماما عمل كل الشركات الرأسمالية.

وكنتيجة لهذه المعايير، بات هناك 200,000 تعاونية وخمسة ملايين جمعية بحلول 1989. وبحلول 1994، باتت 50% من الشركات شركات خاصة، لذا بلغ الإنتاج غير التابع للدولة في تلك السنة نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي.[4]

في مناسبات عديدة سألنا الناس كيف كان ممكنا في العام 1986 أن تستعيد البرجوازية السلطة إذا لم تكن هنالك برجوازية في الاتحاد السوفييتي السابق؟ هذا النمط من الأسئلة يتضمن ثلاثة محاور لعدم الفهم. بداية، من الضرورة فهم أن البرجوازية طبقة عالمية. ثانيا، في معظم الحالات فإن البرجوازية لا تحكم مباشرة، بل عبر ممثلي البرجوازية الصغيرة. ثالثا، من الضرورة فهم أنه رغم عدم وجود برجوازية في الاتحاد السوفييتي كطبقة، إلا أنه كان هناك قطاع طفيلي ضخم (البيروقراطية) طمح بأن يصبح برجوازية، بظروف معيشية مماثلة للبرجوازية وعلاقات وطيدة بها. غورباتشوف كان يمثل هذا القطاع الاجتماعي وكان العميل البرجوازي الصغير للإمبريالية. وبهذا، كان القائد الأكثر وضوحا لدولة جديدة الذي يريد استعادة الرأسمالية.

وعبر هذه الصيرورة، كان للعمال [كاسبي الأجور] وللجماهير دورا هاما في الاتحاد السوفييتي السابق ومعظم بلدان أوروبا الشرقية. الصحافة وقنوات التلفاز حول العالم بينت بصراحة حراك ساحق امتد من منطقة إلى منطقة ومن بلد إلى بلد، هو ما يدعى “بأثر الدومينو” والذي أسقط معظم أنظمة الحزب الستاليني الواحد.

من هذه الأحداث، هيمن تشوش هائل مازال مستمراً إلى اليوم على اليسار في كافة أنحاء العالم. استعادة الرأسمالية من جهة، والحملة الأيديولوجية المسعورة للإمبريالية حول تفوق الرأسمالية على الشيوعية. هذا خلف أثرا عميقا في كل اليسار والطليعة حول العالم.

جزء هام من اليسار خلص إلى استنتاج مفاده أن الرأسمالية أبدت تفوقها. جزء آخر، وربما الغالبية، استنتجوا أن الإشتراكية كانت مجرد يوتوبيا جميلة. فكرة أن اللينينية ولدت الستالينية تنامت بينهم. الأحزاب الثورية كانت قضية ماضوية، تماما كالثورة الإشتراكية والاستيلاء على السلطة من قبل العمال.

تروتسكي، وفقا لماركس ولينين، سبق وأن قال: إن برنامجنا يتلخص بثلاث كلمات: دكتاتورية البروليتاريا. بعد أحداث الشرق، باتت “دكتاتورية البروليتاريا” كلمة سيئة، يمكن أن فقط قولها همساً وبخجل.

قبل سقوط دولة العمال البيروقراطية وحملة الإمبريالية، وجدت الغالبية العظمى من قوى اليسار و”خلصت” إلى “الديمقراطية كقيمة عالمية”. لذا تركت “اليوتوبيا الإشتراكية” للأحاديث الجميلة في أيام العطلة. الأهم كان السياسة “الواقعية”. الإنتخابات والبرلمان. البرلمان والانتخابات.

بعد بضعة سنوات على بدء استعادة الرأسمالية، جاءت النتائج واضحة. ويكفي أن نرى ما يحدث في أميركا اللاتينية (إحدى مراكز الثورة العالمية لعدة عقود). في بلدان كالبرازيل، والسلفادور، ونيكاراغوا، والأرجنتين، أو الأوروغواي. معظم قادة اليسار (الإصلاحيين والثوريين) للستينيات والسبعينيات والثمانينيات هجروا السلاح والمتاريس، وارتدوا البدلات وربطات العنق، ويحكمون اليوم أو يسهمون في حكم بلدانهم، يدا بيد مع البرجوازية وصندوق النقد الدولي. من الواضح أن أكثر القطاعات حساسية أمام الهجمة الأيديولوجية الإمبريالية كان اليسار الإصلاحي، ولكن اليسار الثوري لم ينج من هذا الوضع.

الأزمة والتشوش في اليسار وصلا إلى كل قطاعاته بطرق مختلفة. حتى قطاع الأقلية الذي بقي مخلصا لأفكار تروتسكي حول قضية الاتحاد السوفييتي السابق، وحارب تكيف اليسار مع الديمقراطية البرجوازية. إننا نشير إلى التيار اليساري الأممي الذي بناه وقاده نويل مورينو حتى وفاته عام 1987 (رئيسنا حتى اليوم). كان أكثر القطاعات التروتسكية ديناميكية عندما بدأت استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق.

 

[1]ألكسندر ياكوفليف كان قائدا شيوعيا قديما (انتمى إلى الحزب الشيوعي عام 1941). ليلي ماركو، الذي أجرى معه عدة مقابلات،وصفه بمروج ومنظر البيروسترويكا. في الواقع كان هو من طور نص البيروسترويكا مع فريقه في رئاسة مؤسسة الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابعة لأكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي.

[2]غرومايكو كان سنة 1985 أقدم عضو في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي.

[3]كمكافأة على الخدمات التي قدمت من الكي جي بي خلال عهد حكومة غورباتشوف، وصل رجال المخابرات إلى المكتب السياسي في كافة الجمهوريات التي كانت جزء من الاتحاد السوفييتي. حتى ذلك الوقت فقط 7 من الجمهوريات ال 15 كانت جزء.

[4]حاليا 84% من الصناعة و85% من التجارة بيد القطاع الخاص.

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة القسم الأول من الجزء العشرون من خلال الرابط التالي:

استعادة الرأسمالية والثورة، سنوات من الارتباك/ 1

 

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles