الخميس فبراير 02, 2023
الخميس, فبراير 2, 2023

استعادة الرأسمالية والثورة، سنوات من الارتباك/ 1

النظرية الماركسيةاستعادة الرأسمالية والثورة، سنوات من الارتباك/ 1

 

 

تروتسكي، ليس كأي شخص آخر، درس تحلل الاتحاد السوفييتي. في الثلاثينيات، قام بالتحليل، والتوصيف، وتطوير برنامج، والتبصر بما أكده الواقع بعد خمسين سنة، باستعادة الرأسمالية. ولكن حدث شيء غريب في الثورة المغدورةوبقية أعمال تروتسكي حول تحلل الدولة السوفييتية. عندما تمت استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق، رفض أغلب التيارات والمثقفين الذين يدعون أنفسهم تروتسكيين رؤية هذا الواقع. البعض قال إن ما كان يحدث لا علاقة له إطلاقا باستعادة الرأسمالية، وآخرون أعلنوا أنه كانت هناك بعض التنازلات للرأسمالية، كشيء من السياسة الاقتصادية الجديدة[1]، وأخيرا جاء أولئك الذين يشبهونا وقالوا إنه حتى العام 1994 كانت خطط استعادة الرأسمالية “غامرة”[2].

وكان هناك أيضا العديد من التروتسكيين الذين أعلنوا بشكل صريح أن الرأسمالية قد تمت استعادتها، ولكنهم وصلوا على نحو متناقض إلى استنتاج أن أعمال تروتسكي لم تأت على إثبات الوقائع.

ما الذي حدث؟ هنالك تفسيران محتملان. هل لم تثبت الوقائع صحة أعمال تروتسكي أو أن معظم التروتسكيين قاموا بقراءة خاطئة جزئيا أو كليا لهذه الأعمال؟ نحن نميل للفرضية الثانية.

 

البيروقراطية واستعادة الرأسمالية

 

في مقدمته للنسختين الألمانية والبرتغالية للثورة المغدورة، يقول قائد الأمانة الموحدة للأممية الرابعة، بيار فرانك، في 1977، كان يستحيل على الإمبريالية استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق. منظور الاستعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي تم إهماله. وعلاوة على ذلك، أعلن أنه في الاتحاد السوفييتي تكاد لا توجد قوى اجتماعية أو سياسية تجد مصلحتها في استعادة الرأسمالية.(فرانك، 1977).

بعد سنوات لاحقة، في 1989، في منتصف عملية استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق، قام ارنيست مندل، أهم قائد في تياره، بشرح منطق الأمور. الاعتقاد بأن غورباتشوف، أو التيار “الليبرالي” للبيروقراطية ككل، يريد أو يرغب باستعادة الرأسمالية سيكون انخداعا كاملا حول طبيعة وأسس واتساع امتيازاتهم وسلطاتهم. (مندل، 1991).

بالنسبة لهؤلاء القادة، فإن البيروقراطية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي السابق لم تكن قوى اجتماعية داعمة لاستعادة الرأسمالية. بالنسبة لهم، فإن البيروقراطية تحتاج دولة العمال لحماية امتيازاتهم، ما يجعلهم يمتلكون دورا متقدما.

بيار فرانك، وارنيست مندل خاصة، كان ينظر إليهما خلال سنوات طويلة على أنهما الناطقين الرئيسيين باسم المواقف التروتسكية. وعلى نحو لم يمكن تجنبه، قطاع هام من اليسار -عندما رأوا أن الرأسمالية تتم استعادتها وأن البيروقراطية هي من تقود هذا- وصلوا إلى استنتاج أن تروتسكي كان مخطئا.

تروتسكي (ن/ د) كان دائما يدافع عن نقيض ما يدافع عنه هؤلاء القادة. بالنسبة له، إذا بقيت البيروقراطية في مكاتبها (وهو ما حدث)، فإن استعادة الرأسمالية لن تكون محتملة، بل حتمية. التكهن السياسي له سمة بديلة. إما أن تصبح البيروقراطية كل مرة متأصلة أكثر فأكثر في البرجوازية العالمية بدولة العمال، فتقوم بإسقاط الأشكال الجديدة للملكية وسوف تغرق البلاد مجددا في الرأسمالية، أو أن الطبقة العاملة ستحطم البيروقراطية وتشق الطريق إلى الاشتراكية.

بالنسبة لمندل، فإن البيروقراطية احتاجت دولة العمال لحماية مصالحها، أما بالنسبة لتروتسكي فإن هذا كان صالحا في المرحلة الأولى فقط. بالنسبة له، من وجهة نظر تاريخية، فإن البيروقراطية ستسعى إلى تخليد امتيازاتها، لذا ستحتاج إلى استعادة الرأسمالية. دعنا ننظر إلى الطريقة التي تناول عبرها الموضوع في الثورة المغدورة:

دعونا نفترض -لأخذ احتمال ثالث- أنه لا الثوريين ولا أتباع الثورة المضادة قاموا بالاستيلاء على السلطة [وهذا ما حدث في كل دول العمال السابقة]. البيروقراطية استمرت على رأس الدولة. حتى تحت ظل هذه الظروف، فإن العلاقات الاجتماعية لن تثبت.. إنها [البيروقراطية] اعتقدت أنه من الممكن تقديم مراتب وديكورات، فلا بد لها حتما في المراحل المستقبلية أن تسعى لدعم نفسها في علاقات الملكية. قد يجادل أحدهم أن كبار البيروقراطيين يهتمون قليلا بما هي الأشكال السائدة للملكية، والتي تزودهم بما يضمن دخلهم الضروري. هذا الجدل يتجاهل ليس فقط عدم استقرار حقوق البيروقراطية، بل أيضا مسألة ورثتها.. الامتيازات لها فقط ثلث قيمتها إذا لم يكن بالإمكان نقلها إلى أبناء أحدهم. ولكن الحق بالتوريث لا يمكن فصله عن الحق بالملكية. لا يكفي أن تكون مدير الثقة، من الضرورة أن تكون حامل أسهم. (تروتسكي، 1991، ص 215، الجرأة لنا).

من المستحيل أن يكون الأمر واضحا. بالنسبة لتروتسكي، البيروقراطية تحتاج للحفاظ على امتيازاتها وتخليدها. لذا أنهى عبارته بالقول: “لا يكفي أن تكون مدير الثقة” (لا يكفي أن تكون بيروقراطيا)، “من الضرورة أن تكون حامل أسهم” (من الضرورة أن تكون برجوازيا).

من الاقتباسات المذكورة، يمكن للمرء استنتاج، كما فعل الكثيرون، أن تروتسكي كان شيء، والتروتيسكيون شيء آخر. هذا الاستنتاج خاطئ لأنه يتجاهل أن داخل الحركة التروتسكية كان ومازال هناك تيارات تحريفية، ولكن أخرى مبدأية. وهذا أنشأ جدلا واسعا حول موضوع الاتحاد السوفييتي السابق وكثير من المواضيع الأخرى. مثلا، نويل مورينو[3]، متبعا أفكار تروتسكي، حارب أكثر من مرة مواقف مندل وأتباعه. في كتابه: دكتاتورية البروليتاريا الثورية جادل حول انحلال الاتحاد السوفييتي.
في 1978 قال الاشتراكيون الديمقراطيون ودكتاتورية البروليتاريا، هل هناك خطر استعادة الرأسمالية غدا، أو بعد عشر أو عشرين سنة؟ من هنا تساءل حول السكرتاريا الموحدة. بالنسبة للسكرتاريا الموحدة للأممية الرابعة فإن دكتاتوريات العمال المستقبلية والراهنة لن يكون عليها مواجهة أي عدو هام، ولا استعادة الإمبريالية أو الرأسمالية. وأضاف: إن خطة كارتر هي سياسة امبريالية لخدمة استعادة الرأسمالية. خطته الاقتصادية والسياسية والعسكرية تستند إلى حملة ديماغوجية لحقوق الإنسان. هذه البروباغاندا الديمقراطية للإمبريالية تستند إلى حركة ديمقراطية تشهدها دول العمال، بسبب السمة التوتاليتارية والرجعية للحكومات الراهنة. التروتسكية ملتزمة بأن توضح للجماهير وتندد باستراتيجية الثورة المضادة الجديدة للإمبريالية، وتحذر من تداعيات خطر استعادة الرأسمالية في دول العمال. وفيما يتعلق بالبيروقراطية، قال إن البيروقراطية المؤيدة لاستعادة الرأسمالية لن تكون البرجوازية الجديدة، بل الغالبية الواسعة من التكنوقراط، والبيروقراطية، وأورستقراطية العمال. (مورينو، 1971).

في هذا الجدال الطويل بين التيارات الثورية والمبدئية للتروتسكية، التاريخ أثبت وجهة النظر الأولى. البيروقراطية لم يتم إسقاطها وقد قادت دول العمال السابقة إلى استعادة الرأسمالية. ولكن من الضرورة القول إن قوى النبلاء، التي عرفت أن التيارات المبدئية توقعت استعادة الرأسمالية، لم تكن قادرة على تحديد الأمر عندما بدأ تطبيقه، سواء في الصين (منذ 1978) أو في الاتحاد السوفييتي السابق (منذ 1986). هذا أيضا فرض تفسيرا.

الماركسية تتغذى على التجارب السابقة. مثلا، أية مجموعة تريد بناء حزب ثوري بتعاليم لينين ونشاط الحزب البلشفي كمرجعية تاريخية للتعلم.

ولكن هذا ليس ممكنا دائما (التعلم من مرجعيات تاريخية). في بعض الحالات، لا تكون هذه المرجعيات موجودة. القيادة البلشفية وكل الماركسيين في تلك المرحلة، اضطروا إلى الإجابة على حقائق غير مسبوقة، بناء أول دولة عمال. لم تكن لديهم تجربة تاريخية يستندون إليها.

ذات الشيء حدث مع تروتسكي والمعارضة اليسارية، عندما اضطروا للتجاوب مع واقع آخر غير مسبوق، تفسخ الاتحاد السوفييتي. والشيء ذاته يحدث اليوم مع استعادة الرأسمالية. الاستعادة تنبأ بها تروتسكي، لكنه لم يعش ليشهدها. لذا وضع التاريخ الأجيال الماركسية الجديدة (التي لا تملك القادة الأكثر خبرة لثورة أوكتوبر) أمام الحاجة إلى تحليل هذا الواقع غير المسبوق في تاريخ الإنسانية.

كان هذا مصدر صعوبات وأخطاء هائلة، وما كان لهذا أن يكون مختلفا.

 

 

[1]السياسة الاقتصادية الجديدة، فكرة تروتسكي، تم تطبيقها في الاتحاد السوفييتي السابق، بقيادة لينين منذ 1921 حتى 1929. وقد قدمت هذه السياسة تنازلات هامة للرأسمالية، بهدف زيادة الإنتاج وتقوية دولة العمال.

[2]كان هذا هو المفهوم الذي تم التصويت عليه في المؤتمر الأممي الخامس للرابطة الأممية للعمال- الأممية الرابعة، وتم المضي به عام 1994.

[3]نويل مورينو كان المؤسس والقائد الرئيسي للرابطة الأممية للعمال- الأممية الرابعة. توفى عام 1987

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة الجزء التاسع عشر من خلال الرابط التالي:

القيادة الكوبية

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles