الخميس فبراير 02, 2023
الخميس, فبراير 2, 2023

القيادة الكوبية

النظرية الماركسيةالقيادة الكوبية

 

 

في المنظمات اليسارية، كان هناك مقاومة شديدة لاستيعاب أن الرأسمالية قد تمت استعادتها في الاتحاد السوفياتي السابق وبقية أوروبا الشرقية. وهذا منطقي لأن انتصار الثورة الروسية كان أعظم نصر في تاريخ البروليتاريا بمختلف أصقاع العالم، وليس من السهل استيعاب أنه آل إلى الهزيمة. ولكن هذه المسألة اليوم، بعد عشرين سنة مضت على بداية استعادة الرأسمالية، باتت مثيرة للجدل. في الغالب لا يجرؤ أحد على إنكار الواقع. ولكن بالنسبة لكوبا فإن الوضع مختلف.

الواقع الكوبي لا ينبغي أن يترك شكوكا حول استعادة الرأسمالية والدور القيادي لفيديل كاسترو في هذه المهمة. ولكن قليلون جدا من يدركون هذه الوقائع. أغلب الحركات التروتسكية، على سبيل المثال، تعتقد أن كوبا مازالت دولة عمال وأن القيادة الكوبية، بزعامة فيديل كاسترو، هي على الأقل مناهضة للإمبريالية، ولكن هذا ليس صحيحا.

كيف يمكن الحديث عن دولة عمال عندما لا تملك الدولة احتكار التجارة الخارجية، وعندما لا يخضع الاقتصاد لتخطيط مركزي، بل تحكمه قوانين السوق الرأسمالية؟

بالنسبة للقيادة الكوبية، كيف يمكننا القول أنها مازالت مناهضة للإمبريالية وهي تسلم البلاد للإمبريالية الأوروبية وفيديل يمتدح حكوماتها وبالتحديد ملك أسبانيا؟ قد يقول أحدهم إن فيديل كاسترو ليس معاديا للإمبريالية، ولكنه مناهضا لليانكيز، ولكن هذا أيضا ليس صحيحا. فيديل كاسترو شأنه شأن 80% من سكان الأرض معادي لبوش. إنه مناهض للإدارة الأميركية الحالية، ولكنه ليس ضد الإمبريالية الأميركية الشمالية. مثلا، هو ليس ضد الحزب الديمقراطي للولايات المتحدة، بل على العكس،إنه يسعى لاتفاق معه. لذا فإن كتابه الأخير الذي نشر على شكل مقابلات، فيديل كاسترو، سيرة ذاتية بصوتين، أطرىشتى صنوف المديح على قياداته. وبين ما قاله إن الرئيس السابق جون كندي (نفس الشخص الذي بدأ حرب فيتنام، وأمر باحتلال كوبا وبعشرات الهجمات ضد فيديل). قال إن الرئيس كندي، صاحب الموهبة الحقيقية، يحتمل عار هذه الحملة ضدنا، خليج الخنازير وما أخذه على عاتقه، لقد كان شجاعا قبل الهزيمة. (كاسترو، ن/ د).

وحول عائلته يعلنأنه بعد اغتيال جون كندي بقوا على تواصل وطوروا علاقات تبادل وصداقة وطيدة، كإثبات على أنهم لا يكنون مشاعر الكراهية. (كاسترو، ن/ د).

وحول جيمي كارتر[1]، الرئيس الأسبق للحزبالديموقراطي، قال إنه كان رجل مبادئ.وأن سياساته كانت بناءة بالنسبة لكوبا، وأنه كان أحد أصدق الرؤساء، وإن لديه قيم وأخلاق. كارتر لم يكن قادرا على ابتداع الكذب، لقد كان رجلا جيدا وشريفا. قال إنه كان بإمكانهما الوصول إلى قانون تعديلات، ولكنهما لم يفعلا ذلك لأنهما لا يريدان تبديد الوقت وإنه متحيز لكارتر. حتى أنهما قاما بحل مسألة خطف الطائرات، الأشخاص الذين جاؤوا بطائرات اختطفت في الولايات المتحدة[2]، تمت إعادتهم إلى كارتر.قال إنه تأثر بالحكم عليهم بأربعين سنة سجن لأنهم اتخذوا قرار تسليمهم لسلطات أميركا الشمالية. (كاسترو، ن/ د).

الوقائع، ومن ضمنها عدة تصريحات لفيديل، قاطعة. لماذا يصعب إلى هذا الحد تقبل أن الرأسمالية قد تمت استعادتها في كوبا وأن قيادتها الحالية ليست معادية للرأسمالية والإمبريالية؟ لأن كوبا كانت من جهة، بالنسبة للقارة الأميركية، تماما كروسيا بالنسبة للعالم، أعظم انتصار في تاريخ البروليتاريا. ومن جهة أخرى لأن فيديل كاسترو هو الذي يقود كوبا، الرجل الذي قاد النضال ضد الدكتاتور باتيستا، وقطع مع الإمبريالية، وجرد البرجوازية من أملاكها. وتحديدا لأنه قام بكل ذلك، فقد بات قائدا لملايين العمال (كاسبي الأجور)، وللفلاحين والشباب في كوبا، وفي أميركا اللاتينية، بل والعالم. لذا فإنه بالنسبة لملايين الأتباع من غير المقبول التفكير بأن الرجل الذي قاد الثورة وجرد الرأسمالية يمكن أن يقود الآن عملية استعادة الرأسمالية.

الحجج لتبرير ما لا يبرر متعددة. تعتقد الغالبية أنه لا توجد استعادة للرأسمالية لأن فيديل والشعب الكوبي ضد هذا. وكثيرون، ربما الأغلبية أيضا، يعتقدون أن فيديل، بسبب العزلة، أرغم على تقديم تنازلات للرأسمالية. ولكنهم يعتبرون أن هذه التنازلات كان لا بد منها للحفاظ على السمة الإشتراكية للثورة. وهناك أيضا أولئك الأكثر نقدا ممن يعتقدون أن المعايير المؤيدة لاستعادة الرأسمالية تتنامى، ولكن فيديل ليس هو المسؤول عن ذلك، بل المحيطون به.

ختاما، هنالك أقلية لافتة ممن يعتقدون بأن الرأسمالية تتم استعادتها وأن فيديل هو المسؤول الرئيسي عن ذلك. ولكن توقهم إلى الماضي جعلهم يبلغون استنتاج أن كل شيء سيكون مختلفا لو كان تشي غيفارا على قيد الحياة.

الأفراد في التاريخ

بالنسبة للمنطق السليم، من الصعب تصديق أن ذات الأشخاص الذين قادوا الثورة وجردوا البرجوازية من أملاكها قد يقودون عملية استعادة الرأسمالية. هذا تناقض، ولكنه أيضا تناقض مألوف للغاية. لا يمكن لأحد إنكار أن استالين كان ناشطا ثوريا غير أناني، وأحد بناة الحزب البلشفي وما إلى ذلك، وأنه خاطر بحياته في أكثر من مناسبة. ويكفي تذكر أنه، بين كل القادة البلاشفة، قضى الوقت الأطول في سجون تساريست. ولكن في نفس الوقت بات استالين جلاد الثورة والحزب البلشفي.

لا يمكن لأحد أن ينكر أنه في نيكاراغوا كان دانييل أورتيغا، ورفاقه في جبهة التحرير الوطنية الساندينية، أبطالا في النضال ضد دكتاتورية أناستاسيو سوموزا (الأب)، قاتل الجنرال أوغيستو سيزر ساندينو.

التاريخ مليء بهذا النوع من الأوضاع. لذا يستحيل فهم الذي يحدث في كوبا في ضوء الماضي الثوري لفيديل كاسترو.

بالمنطق السليم، التاريخ نتيجة لمواجهة الرجال الأخيار والأشرار لبعضهم البعض. بالنسبة للماركسيين، فإنه كون المجتمع منقسم إلى طبقات، فالتاريخ نتيجة لمواجهة الطبقات الاجتماعية (تاريخ المجتمع هو تاريخ الصراع الطبقي، المانفيستو الشيوعي، كارل ماركس).

الماركسية لا تنكرأهمية الأفراد في التاريخ، كهيتلر، ولينين، وبيرون، ولولا، وفيديل كاسترو، وفرانسيسكو فرانكو، أو تشي غيفارا. ولكن بالنسبة للماركسية فإن هؤلاء الأشخاص، باختلاف درجات موهبتهم، وشجاعتهم، لم يكن لهم وجود على الإطلاق خارج دائرة الصراع الطبقي. لذا، لفهم سلوك هذه الشخصيات، كحالة فيديل كاسترو، لا بد من التحليل السياسي لهذه الشخصيات والقيادات، ولكن تحليل طبقي. ما هو الأصل الإجتماعي؟ وما هي الطبقة التي يمثلونها؟ وما هي الطبقة التي تدعمهم؟

السمة الطبقية لقيادة كاسترو والدولة الكوبية

إذا ما حللنا قيادة كاسترو من وجهة نظر طروحاتها السياسية، سنجد تناقضا عميقا بين ماضيها وحاضرها.

ولكن إذا ما حللنا هذه القيادة ذاتها من زاوية اجتماعية، سيختفي هذا التناقض.

حركة السادس والعشرين من تموزالتي قادت النضال ضد الدكتاتور باتيستا، كانت حركة برجوازية صغيرة، في أصلها وطبيعتها. كانت تستند بشكل أساسي إلى فقراء الفلاحين، والحركات الطلابية، والقطاعات الوسطى في المدن. كحركة تقدمية للغاية لها دور ثوري، للتقدم أكثر من نواياها الأصلية، بالغة تجريد الإمبريالية والبرجوازية. لذا أسست دولة بسمة جديدة، دولة عمال، لأنها كانت تستند إلى اقتصاد تأميم مخطط.

ولكن كان في دولة العمال تلك تناقض هام منذ ولادتها، الطبقة العاملة بمنظماتها لم تكن في موقع القيادة، ولم تكن هنالك ديمقراطية عمالية. لذا، من وجهة نظر علمية، كان من الخطأ تعريف الدولة الكوبية بمجرد دولة عمال. كان الأجدى تعريفها، منذ البداية، بدولة عمال بيروقراطية.

سمة الدولة الكوبية الحديثة هي استمرار لحركة 26 تموز، “الحزب المسلح”، مليئة بالمقاتلين الأشاوس، ولكن دون ديمقراطية عمالية أو أي شكل ديمقراطي.

السمة الطبقية لقيادة كاسترو تمثل جوهر العديد من الجدالات داخل الحركة التروتسكية.

العديد من القطاعات ترى أن حركة السادس والعشرين من تموز وقيادتها تتسم بكونها برجوازية صغيرة، ولكن لقيامها بفعل ثوري (تجريد البرجوازية والإمبريالية وبناء دولة عمال) غيرت من سمتها الإجتماعية، لتصبح قيادة عمالية ثورية. هذا الضرب من المنطق إنكار للماركسية. الفرد يمكن أن يغير طبقته، ولكن الحركة الاجتماعية لا يمكنها ذلك، كالكاستروية. كما يقول نويل مورينو (1980) لا يقبل أي قطاع اجتماعي يتمتع بامتيازات بخسارة امتيازاته ليصبح قطاعا اجتماعيا أقل مكانة. بل على العكس، كل القطاعات الاجتماعية ذات الإمتيازات تميل لزيادتها. قيادة أي قطاع يحظى بامتيازات، برجوازية أو برجوازية صغيرة، قد يتم إجبارهابظروف موضوعية على تجاوز نواياها على الأرضية السياسية لتدافع عن امتيازاتها وتزيد منها عندما تهدد بخسارتها. ولكنها لن تقاتل على الإطلاق ضد امتيازاتها الخاصة لتنضم إلى القطاعات الأكثر رزوحا تحت الاستغلال، والتي تناضل ضدهم.

تحليل مورينو يفسر لماذا وصلت حركة 26 تموز، بالتناقض مع خططها السياسية الأصلية، إلى تجريد البرجوازية والإمبريالية. ولكن هذا التحليل يشرح أيضا لماذا لم تكن القيادة قادرة على قيادة العملية الثورية حتى النهاية، ومن هنا بدأت بالتراجع حتى استعادة الرأسمالية.

الكاستروية تجاوزت نواياها

ما ترتب على قيادة كاسترو في نضالها ضد الدكتاتورية كان أكثر مما ترتب على القيادة الساندينيستية في نيكاراغوا. لذا، فإنها لم تكتف بإسقاط الدكتاتورية ومحاولة معالجة الكارثة الاقتصادية التي تسببت بها حكومة باتيستا الفاسدة. لم تكن تنوي تجريد الإمبريالية والبرجوازية، ولكنها أرغمت على ذلك بسبب المقاطعة.

مثلا، عقدت الحكومة الكوبية الجديدة اتفاقية متقدمة للغاية مع الاتحاد السوفياتي لاستيراد النفط. الولايات المتحدة عارضت هذه الاتفاقية، ومصافي التكرير المنشأة في كوبا، والتي كانت كلها أميركية، رفضت تكرير المنتجات المستوردة من الاتحاد السوفياتي، وقد ترك هذا الحكومة الكوبية بلا خيار بديل، لذا قامت بتأميم المصافي الأميركية، حيث حدث هذا في وقت قصير، مع كل التحول الاقتصادي.

ما ترتب على النضال للحفاظ على الحكومة الجديدة التي برزت من النضال ضد باتيستا، قاد قيادة حركة السادس والعشرين من تموز إلى تجريد الرأسمالية والبرجوازية، وإلى الاختلاف عن الاتحاد السوفياتي والاستالينية العالمية.قيادة كاسترو كانت مدركة لكون كوبا معزولة وأنها تحتاج للهجوم دفاعا عن نفسها. لذا في ذات الوقت الذي كان فيه الاتحاد السوفياتي والاسالينية العالمية يدافعان عن “التعايش السلمي مع الرأسمالية”، قال فيديل كاسترو في خطابه بسانتياغو في 21 تموز 1961: لا بد من تحويل أنديس كورديليرا إلى سييرا مايسترا القارة الأمريكية، كما دعا تشي غيفارا إلى خلق فيتنام جديدة، بل واثنتين وأكثر. هذه لم تكن عبارات مؤثرو كتلك التي يرددها هوغو تشافيز اليوم. للمضي في مشروعه قام فيديل كاسترو بتنصيب مانيويل “ذي اللحية الحمراء” بينيرو، الذي كان نائب وزير الداخلية، في قيادة قسم التحرر السري. وقد كان مسؤولا عن تنظيم التدريب السياسي والعسكري لمئات مقاتلي الغوريلا للعديد من بلدان أميركا اللاتينية، وتنسيق معايير دعم للعديد من حركات التحرر الوطني، كتلك التي قادها بن بيلا في الجزائر.

حدود الكاستروية

عندما قاد البلاشفة الاستيلاء على السلطة في الاتحاد السوفياتي، سعوا دوما، عبر السوفييتات والاتحادات، واستنادا إلى الديمقراطية العمالية، لتمكين الطبقة العاملة [كاسبي الأجور] من تولي بناء الدولة الجديدة بسواعدهم. من جهة أخرى استفادت القيادة البلشفية من الهيبة التي اكتسبتها عبر ثورتها للدعوة إلى بناء أعظم دولة للثورة العالمية، الأممية الثالثة، والتي باتت فيها القيادة البلشفية الأقلية في قيادتها.

الثوريون في كل العالم حاولوا بناء سوفييتات والاستيلاء على السلطة، بعد انتصار الثورة الروسية، دون الأخذ بعين الاعتبار لصراع طبقي فعلي.

القيادة البلشفية ولينين تحديدا، حاربوا هؤلاء البلاشفة المزيفون ودعوهم إلى احترام الحركة الفعلية للجماهير والطبقة العاملة.

العكس هو الذي حدث مع قيادة كاسترو. لذا، i شيء تقدمي قامت به، حولته إلى نقيضه. لقد صادروا ممتلكات البرجوازية والإمبريالية، ولكن لم يحدث أن جعلوا الطبقة العاملة والناس يقودون الدولة الجديدة عبر منظماتهم.

قيادة كاسترو عمدوا إلى الترويج للثورة في بلدان أخرى، ولكن بخلاف القيادة البلشفية، لم تنظر إلى الثورة كأنها تكتيكية بالنسبة لأميركا اللاتينية والثورة العالمية. بل على العكس، اعتبرت أن الثورة في البلدان الأخرى تكتيك للدفاع عن الثورة الكوبية. بعبارة أخرى طالما رأت القيادة الكوبية الثورة العالمية من منظور وطني.

التعبير الأقصى للسمة الوطنية لهذه القيادة تمثل بأنها لم يسبق لها الدعوة، رغم هيبتها الدولية، إلى بناء قيادة أممية. لذا فإن السمة الوطنية والبرجوازية الصغيرة لقيادة كاسترو انتهت بالتثير على كل السياسات الأممية للكاستروية، وهذا أدى إلى العزلة المستمرة للثورة الكوبية.

في كل أنحاء أميركا اللاتينية، برز الشباب، أغلب الأوقات من البرجوازية الصغيرة، الذين رغبوا في تكرار التجربة الكوبية في بلدانهم. القيادة الكوبية، بعيدا عن توجيه الشباب نحو الطبقة العاملة، ومنظماتها ونضالاتها، دعتهم إلى تنظيم مجموعات غوريلا “لخلق” ظروف الثورة، بشكل مستقل عن الصراع الطبقي. هذا الموقف لقيادة كاستروتوغل بعمق بين كثير من المقاتلين، خاصة في الطليعة الطلابية لأميركا اللاتينية. وانتهت هذه التجربة بمأساة. العملية الثورية تم إلغاؤها. وتولدت انقلابات دموية. آلاف النشطاء الشرفاء ماتوا في هذه المغامرة. من بينهم تشي غيفارا نفسه، والذي مات في بوليفيا.

وبسبب المشكلة الطبقية، لم تكن القيادة الكوبية قادرة على وضع توازن لهذه المأساة لمواجهة هذه الكوارث وإعادة توجيه سياساتها نحو الطبقة العاملة ونضالاتها. على العكس،تكاملت تماما مع المعسكر الذي يقوده الاتحاد السوفياتي وسياسة “التعايش السلمي المشترك” مع الإمبريالية.

سياسة كوبا الجديدة قدمت أهم إثباتاتها في 1979. في تلك السنة قامت جبهة التحرير الوطني الساندينيستية، بعد القضاء على حرس سوموزا القومي، بالاستيلاء على السلطة في نيكاراغوا. التعاطف المتواجد في نيكاراغوا مع الثورة الكوبية كان كبيرا. من جهة أخرى كانت القيادة الساندينستية تعتبر تابعة لفيديل كاسترو. بعد الاستيلاء على السلطة قامت الجبهة بالسفر إلى كوبا لمقابلة كاسترو، الذي هنأ الساندينستين بالنصر ونصحهم: لا تجعلوا من نيكاراغوا كوبا جديدة. النصيحة كانت واضحة.

بعبارة أخرى قال للساندنستيين، لا تتقدموا إلى ما يتجاوز إسقاط الدكتاتورية، لا تجردوا الإمبريالية والبرجوازية، لا تقوموا ببناء دولة عمال. بهذه النصيحةبات قدر نيكاراغوا مسدودا وكذلك كوبا.

من “التعايش السلمي المشترك” إلى استعادة الرأسمالية

يوتوبيا استالين ونظريته الرجعية حول الاشتراكية في بلد واحد قادت إلى سياسة الثورة المضادة للتعايش السلمي المشترك مع الإمبريالية. وقاد هذا إلى استعادة الرأسمالية في كل دول العمال السابقة، ولم يكن لهذا أن يكون مختلفا.

التعايش السلمي مع الإمبريالية يعني عمليا السماح للقوى الاقتصادية العظمى للكوكب بالاحتفاظ بفوقيتها وهيمنتها الاقتصادية العالمية، وتوسيع هيمنتهاعلى حساب دول العمال. من وجهة النظر الاقتصادية والاجتماعية، قاد هذا إلى أزمة متنامية في تلك الدول، لذا كان أمامها بديلان فقط. إما العودة، عبر النضال من أجل الثورة الأممية، إلى ساحة المعركة لتعافي اقتصاداتهم، أو أن يرتدوا، عبر استعادة الرأسمالية، إلى أحضان الإمبريالية. الأزمة كانت عميقة للغاية فلم يتاح لهم سوى بديلين. التاريخ معروف جيدا. لأسباب طبقية، البيروقراطية الحاكمة لم تكن ترغب في وضع امتيازاتها على المحك، فمضت كلها إلى البديل الثاني.

كدول العمال الأخرى، كانت كوبا تواجه هذين البديلين ومن الواضح أنها لم تختر توسيع الثورة. ويكفي النظر إلى تجربة نيكاراغوا التي تناولناها. لذا قبل عزلها أسهمت بخلقه، كان البديل الوحيد هو استعادة الرأسمالية. واليوم نشهد النهاية الحزينة لقيادة لم تكن قادرة على قيادة تجربتها الخاصة إلى النهاية بسبب حدودها السياسية والطبقية.

ماذا لو لم يمت تشي؟

كما قلنا سابقا، كثير من الناس حتى في كوبا يعتقدون أن كل شيء سيكون مختلفا لو كان تشي على قيد الحياة. ومن المنطقي بالنسبة لهذا النوع من التصريحات أن يبرز لأنه عندما مات تشي غيفارا كان الميل لتصدير الثورة الكوبية عبر مجموعات الغوريلا مازال موجودا. من جهة أخرى فإن صورة تشي مرتبطة بشجاعتهوبعده عن المصالح ونضاله ضد أية امتيازات شخصية.

ومن الواضح أن الأمر لا يتعلق بالخيال السياسي، ولكن من الصعب تخيل أنه لو كان تشي حيا ستتم استعادة الرأسمالية في كوبا. وكذلك أيضا من الصعب تخيل أنه لو كان حيا سيقود النضال ضد استعادة الرأسمالية في مواجهة فيديل.

 

 

 

 

لماذا نقول ذلك؟ لأن القيادة الكوبية استمرت ضمن محدوديتها المتجذرة، والتي لم تكن سياسية أو نظرية، بل طبقية. وتشي لم يكن مختلفا عن الآخرين. على العكس من ذلك فقد كان أكثر من عبر عن هذه المحدودية. تشي كان جزء من جيل الشباب الأرجنتيني اليساري في الخمسينيات، والذي كان الأكثر رجعية وجدت في ذلك البلد. الشباب الجامعي “اليساري” نظرا لمعاداته للبيرونية كره حراك العمال. الشباب الجامعي بقيادة الراديكالية والحزب الشيوعي خرج إلى الشوارع بشعار: “نعم للكتب، لا للأحذية القماشية!”.

وفيما يتعلق بتشي وافتقاره إلى العلاقة بالحركة العمالية، هنالك حقيقة غاية في الأهمية: تشي كان شابا مفرط الحساسية صدم بالنضال لإسقاط ديكتاتورية باتيستا، ولكنه لم يصدم بالثورة البوليفية للعام 1952، رغم أنه عبر ذلك البلد بعد بضعة أشهر من بدء العملية. أعظم ثورة عمالية في القارة لم تترك تأثيرا على تشي. هزيمة الجيش على يد عمال المناجم، وتأسيس منظمة العمال البوليفية، وميليشيات العمال والفلاحين، والتي فرضت قوة مزدوجة في بوليفيا. لم يدرس إطلاقا تلك العملية، حيث لم يخلص إلى أي استنتاج منها. لدرجة أنه عندما عاد عام 1966 إلى بوليفيا لتنظيم مجموعة حرب العصابات، لم يحاول إطلاقا التواصل مع عمال المناجم، الذين كانوا بلا شك طليعة الثورة في بوليفيا وأميركا اللاتينية لعقود.

غيفارا، ككل قيادات كاسترو، لم يعمد إلى تمكين الطبقة العاملة من لعب دور قيادي في الثورة أو التحول للإشتراكية. وكذلك فيما يتعلق بالنضال لبناء حزب الطبقة العاملة الثوري وطنيا وعالميا. ولنكون أكثر تحديدا، فإن قيادة كاسترو وتشي بشكل خاص بنظرية “حرب العصابات” لديه موقف مناقض للتقاليد الماركسية في هذا الصدد.

من جهة أخرى يتم عادة تصوير تشي على أنه مقاتل ضد بيروقراطية دولة العمال الكوبية، وهذا خطأ. تشي كان مثالا حيا للنضال ضد الامتيازات المادية لقادة الثورة والدولة، لكنه لم يناضل أبدا ضد بيروقراطية الدولة. لم يدافع إطلاقا عن الديمقراطية العمالية، والتي هي الطريق الوحيد للنضال الذي لديه احتمالات النجاح ضد البيروقراطية.

دولة العمال الكوبية لم تتحلل بعد بضعة سنوات من الاستيلاء على السلطة. دولة العمال الكوبية ولدت بيروقراطية وارنستو غيفارا كان أحد القادة الأساسيين لهذه الدولة منذ البداية.

 

 

القيادتان الروسية والكوبية قبل استعادة الرأسمالية

 

عبر هذا النص، بينا الفرق النوعي بين القيادة البلشفية للينين وتروتسكي وبين القيادة الكوبية لفيديل كاسترو وتشي غيفارا. ولكن بعض من القراءة يمكن أن تقودنا إلى وضع علامة تساوي بين تصرفات كلتا القيادتين قبل استعادة الرأسمالية.

فيكلتا العمليتين تولت القيادة مسألة تجريد الإمبريالية والبرجوازية من ممتلكاتهما. وكلتا العمليتينآلتا إلى استعادة الرأسمالية. غير أن هنالك فرق نوعي يكمن في أن الاتحاد السوفياتي السابق تمكن من الوصول إلى استعادة الرأسمالية فقط عبر التدمير السابق لحزب البلاشفة على يد الاستالينية. وعلى العكس، في كوبا لم تكن هناك ضرورة لتدمير القيادة السابقة من أجل استعادة الرأسمالية. نفس القيادة التي قامت بتجريد البرجوازية من أملاكها قادت عملية استعادة الرأسمالية دون أزمة. هذا الواقع يبين أنه كان هنالك دوما وحدة طبقية عميقة بين القيادتين الروسية والكوبية، ولكن إطلاقا ليس بين قيادة لينين وتروتسكي وبين قيادة فيديل. الوحدة كانت بين القيادة الاستالينية وبين قيادة فيديل. وقد كانت موجودة حتى عندما اتخذت قيادة كاسترو موقفا سياسيا مختلفا عن القيادة الاستالينية.

توازن قيادة كاسترو مع بناء القيادة الثورية

في منتصف الحالة الثورية كشخص يعيش في أميركا اللاتينية، كانت معركة بناء قيادة ثورية هي أم المعارك، ولكن هذا البناء لم يبدأ من الصفر.

تروتسكي (ن/ د) قال، موازنا الثورة الروسية، نعلم يقينا أن أي شعب، وأية طبقة، وحتى أي حزب يتعلمون بشكل رئيسي من تجربتهم الخاصة، ولكن هذا لا يعني أن تجارب البلدان والطبقات والأحزاب الأخرى جديرة بالإهمال. دون دراسة الثورة الفرنسية الكبرى، وثورة 1848، وكوميونة باريس، ما كان ليتسنى لنا أبدا المضي في ثورة أوكتوبر.

في القارة الأميركية، كان من المستحيل تحقيق النصر إن لم نكن قادرين على دراسة واستخلاص كافة الإستنتاجات حول الثورة الاشتراكية المنتصرة الوحيدة في القارة، الثورة الكوبية. هذه هي أهمية ذلك التوازن التاريخي لقيادة كاسترو، ليس فقط من أجل الحاضر، بل جوهريا من أجل المستقبل. هنالك استنتاجات جوهرية لاستخلاصها من الثورة الكوبية العظيمة، والتي تسلط الضوء على معركتنا في القارة على المستويين الذاتي والموضوعي.

بداية، بينت الثورة الكوبية أنه تمكن مواجهة وهزيمة البرجوازية والإمبريالية. وإذا كان هذا ممكنا في بلد صغير يقع على بعد بضعة كيلومترات من الولايات المتحدة، فلم لا يكون الأمر ممكنا في بلدان أكثر أهمية في القارة، كالأرجنتين، والبرازيل، وكولومبيا، وتشيلي، أو المكسيك؟

ثانيا، إن إنجازات الثورة الكوبية فيما يتصل بالقضاء على الفقر، وفيما يتعلق بالصحة والتعليم، تبين أن هذه القضايا التي قد تبدو متجذرة في القارة،يمكن حلها بتجريد البرجوازية والإمبريالية.

ثالثا، الواقع يبين أنه دون امتداد الثورة إلى بقية أنحاء القارة والعالم، فإن طريق أية ثورة منتصرة تجرد الرأسمالية سينتهي لا محالة باستعادة الرأسمالية.

رابعا، الواقع يبين أيضا أن القيادة الكوبية التي ظهرت في وقتها بأعين ملايين المقاتلين حول العالم كقيادة ثورية بديلة أمام البيروقراطية الاستالينية المتفسخة، استسلمت كضحية لتناقضاتها السياسية والطبقية.

خامسا، كاستنتاج، لا يمكن إنكار أن الثورة الكوبية عززت الطاقات الثورية للطبقة العاملة ولشعوب العالم، ولكن على نحو متناقض، لعبت الكاستروية دورا حاسما في تغلب أزمة القيادة الثورية.

الهيبة التي اكتسبتها قيادة كاسترو لقيادتها للثورة كانت عظيمة للغاية لدرجة أنها أجلت لعقود المهمة الكبرى لهزيمة الأزمة في القيادة الثورية. لبت الدور الموضوعي لفصل طليعة المهمتين الاستراتيجيتين الكبيرتين للثوريين، العلاقة مع الطبقة العاملة وبناء حزب ثوري على المستويين الوطني والأممي.

الكاستروية أثرت وأربكت عدة أجيال من المقاتلين، ومنظمات بأسرها، وقادة ماركسيين ثوريين مهمين.

نويل، والذي هو بلا شك أهم القادة التروتسكيين في أميركا اللاتينية، لم يستطع الهروب، في السنوات الأولى للثورة، من الضغط الكاستروي. مثلا، في نص جدلي مع تشي غيفارا، طور مفاهيم كالتالية: فيديل وتشي بينا بالحقائق وعمما العديد من القضايا السياسية والنظرية ذات أهمية جوهرية. وهذا يمكن المرء من القول، اقتباسا لسارتر حول الفلسفة الماركسية، لا يوجد تيار ثوري في أميركا اليوم عدا الكاستروية. (مورينو، 1964).

نويل مورينو، بخلاف الغالبية الواسعة من القادة التروتسكيين الآخرين، بقية مؤمنا بالطبقة العاملة وبالماركسية. وبهذا قطع مع الكاستروية. ودليل هذا مجموعة الأعمال التي طرحناها هنا والمستلهمة من أعمال مورينو في السبعينيات والثمانينيات.

في كتاب محادثات مع نويل مورينو، مورينو (1986) صنع انعكاسا عميقا لهذه العملية (علاقته وقطعه للكاستروية) ما ينبغي أن يأخذه بعين الاعتبار كل من يناضل من أجل سلطة الطبقة العاملة. كان يقول، عبر حياته السياسية، إنه لاحقا، عى سبيل المثال، بالنظر بتعاطف إلى نظام بزغ من الثورة الكوبية، وصل إلى استنتاج أنه لا بد من الاستمرار بالسياسة الثورية الطبقية، رغم أنها تؤجل الوصول إلى السلطة لعشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر. نطمح أن تقوم الطبقة العاملة بالوصول حقا إلى السلطة، ولهذا نريد قيادتها.

[1]جيمي كارتر، بدعوة من فيديل كاسترو، زار كوبا من 12 إلى 17أيار 2002. وعقد مؤتمرا في جامعة هافانا، وقد تم بثه مباشرة ليصل إلى كل أنحاء الجزيرة، حيث شن هجوما قاسيا ضد الثورة الكوبية. وبعد ذلك، أدى فيديل التحية لجيمي كارتر في قاعة البيسبول أمام عدة آلاف الأشخاص

[2]بعد انتصار الثورة، قام نشطاء معادون للإمبريالية باختطاف طائرات في الولايات المتحدة عدة مرات، وأحضروها إلى كوبا طالبين اللجوء السياسي

ترجمة تامر خورما

يمكن مراجعة الجزء الثامن عشر من خلال الرابط التالي:

كوبا وخلافة فيديل كاسترو

Check out our other content

Check out other tags:

Most Popular Articles